تاريخ النشر: 2023-04-10 | 11:32
تاريخ النشر: 2023-04-10 | 11:32
في أواخر أيامه المظفرة، في 10 هجرية وعلى جبل الرحمة في موسم الحج ويوم عرفة وبعد أن أسس قاعدة متينة للرسالة بعد فتح مكة ودخول وفود العرب الإسلام وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته الإنسانية الشاملة بخطوطها الواضحة العريضة الأساسية لحفظ حقوق الناس والأخوة الإنسانية والعدالة، وحقوق المرأة، والتصدي لكل أنواع الاستغلال المادي والمعنوي، ولكل أشكال الاستعباد للإنسان، والدفع بقوة لتفجير طاقات الفرد والمجتمع في الاتجاه الايجابي لإعمار الأرض بسلام وأخوة وتعاون.. إنها الخطبة الأولى في المسيرة البشرية شمولا لنوع الإنسان في الأرض كل الأرض.. وما من فكرة إنسانية جاءت فيما بعد إلا كانت بعضا من هذه الخطبة الإنسانية الشاملة التي كانت بحق أعظم نص بشري.. إنها الخطبة التي لخصت رسالة الإسلام رحمة للعالمين..
ظروف الخطبة ومكانها:
في مكة وعلى جبل الرحمة وفي مناسك الحج وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من مائة ألف مسلم يلقي خطابه الاخير.. في أكثر مكان قدسية عند المسلمين وفي أكثر مناسبة يمكن أن يجتمع فيها المسلمون وفي يوم تاريخي وعلى جبل الرحمة يقف الرسول في حجته الوحيدة ليخبر الناس عن خلاصة الرسالة التي عليهم ان يرفعوا رايتها وينشروها في العالمين..
جاءت الخطبة بعد فتح مكة وبعد أن أصبح أمر جزيرة العرب كله يدور حول مركزيتها في المدينة المنورة.. وبعد أن سارت السرايا والجيوش الى تبوك وتتهيأ لتذهب إلى مواقع عديدة على حدود الجزيرة وبعد أن اتضحت معالم المرحلة القادمة في ضرورة تحرير ما يحيط بجزيرة العرب من سيطرة الفرس والروم وقهرهم للمنطقة وظلمهم للناس.
جاءت الخطبة لتحدد معالم المرحلة القادمة ولتعطي الإجابات الضرورية المطلوبة عن أسئلة الأقوام والشعوب عن حقيقة رسالة الإسلام.. وهي تبرز القضايا الحساسة والأساسية في المجتمعات فتضع الخطوط الحمراء التي ينبغي أن لا يتم تجاوزها.
كان صلى الله عليه وله وسلم يحدد مهمات طلائع الإسلام و يشهد عليهم أنه بلغ الرسالة نحو الناس فيما بعده ليكونوا على بينة من دينهم ومنهجهم في أكبر عملية تحريرية للإنسان.. وهكذا نقترب من فهم الظرف السياسي والواقع الجديد الذي جاءت فيه هذه الخطبة أو هذه القواعد الأساسية لحركة الكتلة الإسلامية فيما بعد..
مبادئ الخطبة:
بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم خطبته بإشعار المسلمين أنها قد تكون المرة الأخيرة التي يلتقي بهم في هذا المكان، ولهذا التنبيه أهمية في التركيز على كل ما سيقال والتعامل معه على أنه بالغ الأهمية..
وفي هذا الخطاب كان المقصود الناس كل الناس حيث هم أخوة وجميعهم أبناء لآدم يقول صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحد، كلكم لآدمَ، وآدمُ من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عَجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد" كان هذا هو أصل الرؤية الإسلامية للإنسان أنه ابن أدام وكل ابن أدم آخر فإنما هو له أخ، ولا تفاضل بين شخص وآخر إلا على اعتبار العمل المفيد والصالح والابتعاد عن كل فعل مشين.. وهنا كان واضحا صلى الله عليه واله وسلم بقوله البين:" أيها الناس، إن دماءكم، وأموالَكم، حرامٌ عليكم إلى أن تَلقَوْا ربَّكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد،
ثم يتوجه الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى عصب الموضوع وقيمته العليا وهي الأمانة التي ترفع من قيمة الشخص وتحمي المجتمع وكما يدعو لرد الأمانات فهو يتصدى لعملية تحويل المال إلى أداوت لاستعباد الإنسان واستغلاله كما ان تقيد الناس بروح الثأر والانتقام والتقوقع داخلها يعني بوضوح أن هذه الأمراض سوف تقضي على كل خير في المجتمع: "فمن كانت عنده أمانة، فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها. إن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث، وإن مآثر الجاهلية -يَعني أعمالها- موضوعة، غيرَ السدنة والسقاية، والعَمْد قَوَدٌ – يَعني: القتل العمد قصاص - وشِبْهُ العَمد ما قُتِلَ بالعصا والحَجَر، وفيه مائة بعير، فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية."
ثم يشرح الرسول صلى الله عليه واله وسلم واقع حال الجزيرة بعد فتح مكة ويحذر أن يترك فرصة للانحراف والتيه في أوضاع التمزق والتحارب على سبيل الضالين لان ذلك من عمل الشيطان الذي فقد بانتصار الإسلام فرصته في تفريق الناس وبث الشحناء بينهم فيقول صلى الله عليه واله وسلم: "أيها الناس، إنَّ الشيطان قد يئسَ أن يُعبدَ في أرضكم، ولكنه قد رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم"..
وفي نص واضح لا لبس فيه وفي خطبة الوداع المختصرة المركزة كان للمرأة النصيب الوافي فهنا ينبغي أن تعرف المرأة ما لها وما عليها وأن يدرك الرجل حقوق المرأة وكيفية ضبط العلاقة معهن بعيدا عن أي تعسف أو قهر أو ظلم أو انتزاع حق من حقوقهن فقال صلى الله عليه واله وسلم:" أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حقٌّ؛ ألا يُوطِئنَ فُرُشَكم غيرَكم، ولا يُدخِلنَ أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتِينَ بفاحشةٍ، فإذا فعلنَ ذلك، فإنَّ الله أذِنَ لكم أن تَهجروهُنَّ في المضاجع، وتَضربوهُنَّ ضربًا غير مُبَرِّحٍ، فإن انتهينَ وأطعنكم، فعليكم رزقهُنَّ وكِسوتهُنَّ بالمعروف، وإنما النساء عوانٍ عندكم ولا يَملكنَ لأنفسهِنَّ شيئًا، أخذتموهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهنَّ خيرًا، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
وفي علاقة الإنسان بأخيه الإنسان فلا يحق أن يتجاوز أحدهما على الآخر في ممتلكاته الا بما يتم عن رضي وفي هذا توضيح مهم في السيادة وحق التصرف في الملكية الخاصة يقول صلى الله عليه واله وسلم: " أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يَحلُّ لامرئٍ مالُ أخيه إلا عن طيب نفسٍ منه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، فلا ترجعوا بعدي كفَّارًا يَضرب بعضُكم رقابَ بعض، فإني قد تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده؛ كتاب الله."
وداخل المجتمع دوما هناك الاهتمام الكبير ومن كل الزوايا لجعله في تعاون وتجانس وتوازن وتماسك وفي هذا الإطار كان الحل الدقيق لمسألة الإرث فلقد فصلها القرآن ووضحها وحث عليها واعتبرها من حدود الله التي ينبغي عدم تجاوزها بأي شكل من الأشكال فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:" أيها الناس، إنَّ الله قد قسم لكلِّ وارثٍ نصيبَه من الميراث، ولا تَجوز لوارثٍ وصيَّةٌ، ولا تَجوز وصيَّة في أكثر من الثُّلثِ"
وفي ظاهرة اجتماعية يظهرها الرسول ويشرحها ويضع لها الحل ويحذر من التلاعب في الأنساب مما يولد أزمات للضحايا وتعقيدات اجتماعية تلقي بثقلها في المجتمع فيقول صلى الله عليه وسلم :"والولد للفراش، وللعاهر الحجر، من ادَّعى لغير أبيه، أو تَولَّى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبلُ الله منه صرفًا ولا عدلاً".
وبعد الانتهاء من خطبة الوداع سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس فقال: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قالوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقالَ: بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ اللَّهُمَّ، اشْهَدْ، اللَّهُمَّ، اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"
الخطبة رؤية للمجتمع والمحيط:
من الواضح ان الخطبة التي تكثف معاني الرسالة قد حددت جملة مفاهيم أساسية أولها محاربة العنصرية بين الناس على أسس قومية وان الناس جميعا لأصل واحد فهم أخوة لا تفاضل بينهم إلا بالنفع للناس.. وهذا المفهوم ينبغي أن يتزود به مشروع النهضة الإنسانية التي سيكون المسلمون بصددها فيما بعد،
ثم جاءت الحقوق المالية والكرامة والعلاقات بين الأشخاص كلها في إطار صون الكرامة الإنسانية وحقوق الناس في ملكيتهم او التصرف فيها.. وأنه لا علاقة في المجتمع الا بالأمانة وإبلاغها الى أهلها فهم الأولى بها..
ثم تبرز القضية الاجتماعية الأكثر مركزية وهي الأعظم والأهم أنها علاقة الرجل بالمرأة، وهنا وتلخيصا لمعاني القرآن الكريم في هذا الموضوع يؤكد الرسول على طبيعة العلاقة التي تحفظ الود والكرامة لطرفي العلاقة ويطرح الحلول فيما لو تعرضت العلاقة لصدمات أو هزات..