في عام 1957 نشر الصحافي الهندي كارينجا كتاباً إسمه :»خنجر إسرائيل» هُو ملخص مقابلة مع وزير الحرب الإسرائيلي موشيه دايان قال فيها :»إنَّ دولته ستدمر كل الطائرات المصرية وهي رابضة في مطاراتها وعندها ستصبح سماء المنطقة مُلكاً لنا وعندها سنستطيع حسم أي حرب مقبلة».. وحقيقة إن هذا ما جرى في عام 1967 ،أي بعد عشرة أعوام عندما كانت هزيمة العرب الكبرى التي تم فيها احتلال باقي ما تبقى من فلسطين وذلك بالإضافة إلى سيناء حتى قناة السويس وبالإضافة إلى جبل الشيخ وهضبة الجولان السورية حتى مشارف دمشق.
في ذلك الكتاب الذي لم يقرأه كثيرون من الذين يصنعون السياسة ويتخذون القرارات في المنطقة العربية كشف هذا الصحافي الهندي عن وثيقة إسرائيلية سرية لتقسيم الوطن العربي والهلال الخصيب وحوض نهر النيل تحديداً وبحيث يصبح العراق ثلاث دول ، دولة سنية في الوسط ودولة شيعية في الجنوب ودولة كردية في الشمال، وتصبح سوريا ثلاث دول أيضاً ، سنية وعلوية ودرزية، في حين يصبح لبنان دولتين ، شيعية في الجنوب ومارونية في الشمال، وفي حين يصبح السودان ثلاث دول وتصبح مصر أيضاً ثلاث دول!!.
وحسب هذا الصحافي الهندي ،الذي إلتقى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وأطلعه على محتوى هذا الكتاب قبل نشره وطلب منه وضْع مقدمة له، فإن دايان قد قال له :»إن العرب لا يقرأون وإنهم إذا قرأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يعملون وإذا عملوا لا يستمرون» والمعروف أنَّ سيف التقسيم أصبح ، بعد سبعة وخمسين عاماً من صدور هذا الكتاب، يضرب العراق ويضرب سوريا ولبنان بعدما ضرب السودان ولا يزال يضربه.. ونسأل الله ألاَّ يضرب مصر ، أرض الكنانة، التي كانت موضوعة على هذه اللائحة السوداء خلال عام حكم الإخوان المسلمين والتي من الواضح أنَّ هدف الإرهابيين الذين يرتكبون جرائمهم تحت عنوان :»أنصار بيت المقدس» هو تقسيمها إلى ثلاث دول هي :إمارة سيناء ودولة للأقباط في الجنوب ودولة للمسلمين في باقي ماتبقى.
ولعل ما لم يورده كارينجا في كتابه هذا :»خنجر إسرائيل» هو أنَّ هناك الآن عدداً من الدول العربية باتت مهددة بأبشع أشكال التقسيم أولها ليبيا وثانيها اليمن وبالطبع فإن الصومال غدا منذ أكثر من عقدين من الأعوام دولتين بعاصمتين إحداهما شمالية والأخرى جنوبية وبالطبع أيضاً فإن عيون المتآمرين لم تَكُفْ عن التركيز على الجزائر حماها الله وأنَّ المغرب يعاني من جرح ما يسمى :»الجمهورية الصحراوية» الذي لا يزال راعفاً والذي يواصل تسميم العلاقات الأخوية الجزائرية-المغربية.
وهنا فإنَّ ما تجب الإشارة إليه هو أن المطران لوقا الخوري قد استعرض ما جاء في هذا الكتاب الخطير جداً على صفتحه الرسمية في «الفيس بوك» وأنه كتب في مطلع مقاله بهذا الخصوص : تستدعي التطورات الراهنة في المشهد العربي الممتد من فلسطين إلى العراق إلى مصر فالسودان وإلى ليبيا فسوريا وغيرها إستحضار ما جاء في كتاب «خنجر إسرائيل» للنبش والتذكير كي لا ننسى تلك المشاريع والمخططات الإستعمارية المتصلة التي تستهدف تفكيك هذه الأمة».. وهنا ومرة ثانية فإنه علينا أن ندرك أن ما يجري في هذه الدول العربية لم يأتِ مفاجئاً فهذه التمزقات التي نراها الآن هي نتيجة أوضاعٍ مأساوية بائسة سادت في هذه الدول على مدى نحو نصف قرن واكثر مما جعل كل هذه التطورات تحصيل حاصل ونتائج حتمية.
إنَّ هناك مؤامرة لا شك في هذا ولكن علينا أن نعرف أنه ما كان لهذه المؤامرة أن تحقق كل هذه النجاحات المرعبة لو لم تُبتلَ هذه الدول العربية التي تتفتت الآن أمام عيوننا بأنظمة إستبدادية وقمعية دمرت الحياة السياسية في البلدان التي حكمتها ومزَّقت وحدتها الإجتماعية وأيقظت فيها كل أمراض التاريخ من طائفية ومذهبية وعرقية وسهَّلت للطامعين غزوها من الداخل قبل أن يغزونها بجيوشهم العسكرية من الخارج... إنَّ المشكلة تكمن في أنَّ تلك الشعارات الجميلة التي رُفعت في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي قد مُسِختْ وإن الحرية تحولت إلى سجون ومشانق وساحات إعدامات وإن الوحدة قد أصبحت تمزقات قُطْرية وإقليمية وتطلعات إستحواذية وإحتلالية عبر الحدود وأن الإشتراكية غدت إفقاراً منهجياً وفساداً مستشرياً ومصادرات زادت «الكادحين» كدحاً والفقراء فقراً وأنتجت فئة جديدة غير مؤهلة باتت تمتلك الثروة بعدما امتلكت الحكم والقوة!!.
عن الرأي الاردنية