تاريخ النشر: 2016-10-12 | 07:55
تاريخ النشر: 2016-10-12 | 07:55
عايشت الدُحية منذ ستينات القرن الماضي وأنا في مرحلة الابتدائية وكنت لا أزال طفلاً شغوفاً بالمرح والفرح والأفراح والحفلات التي تصاحبها وأهازيج النساء وزغاريدهن وكانت جميعها مشبع بعبق التراث الشعبي والبدوي والقروي المهاجر من الفلسطينيين بعد حرب عام 1948م.
فكم كنت أعشق الهروب من القيود التربوية التي كانت تشكل نظام الحياة الأسرية خاصة في تلك الأعمار المبكرة.
عايشت الرقص الشعبي والقروي وكثير منها كان يضفى على حلقات الأفراح (الأعراس وطهور الصبية، والنجاح في الثانوية العامة أو مراحل دراسية أخرى) جواً من الجمال الذي تزينه الملابس التراثية لكل قرية كانت في منابعها وأصولها في قراهم التي هُجروا منها وكأنهم يؤكدون على عمق ارتباطهم بها ومحذور على أيّ أحد نسيانها لأن في ذلك نسياناً للوطن.
ولأنني أريد الحديث عن الدُحية لذا سيكون تركيزي في هذا الدبوس الحديث عنها بشكل غير مسهب وذلك بسبب استفزازي كما غيري من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خاصة بسبب الهجوم غير المبرر على الدُحية والتي هي جزء مهم وأصيل من التراث الفلسطيني والتي واكبت كل التطور الفني ولم تبق بنفس النسق القديم ولكنها في جوهرها الآن هي كذلك ولم تعد مقتصرة على البدو فقط وإنما أصبحت من الأهمية بمكان بالعمل على نشرها كثقافة تراثية كما الدبكة بكافة أشكالها، ولأن الدُحية مجازاً نقول عنها الدبكة البدوية لم تكن تنتشر كما اليوم وكانت محصورة في المجتمع البدوي ولم تكن لتخترق باقي شرائح المجتمع لأسباب كثيرة أهمها اختلاف الثقافات والعادات بين السكان ولكن مع تكاثر السكان واندماجهم بعضهم ببعض عن طريق تنوع السكان في الحيّ الواحد وحتى في الشارع الواحد كذلك تصاهرهم مع بعضهم وتكون جماعات الصداقات من مختلف شرائح المجتمع وترابطهم يومياً وبشكل قوي، كل ذلك عمل على مزج تلك الثقافات والعادات بعضها ببعض وأصبح الجميع يعي جيداً لعادات وتقاليد كل القرى والمدن والمجتمعات البدوية بشكل كبير ولم تعد تلك العادات غريبة عن المجتمع ولم يعد الاهتمام والإحساس محصوراً في رقص معين أو في الدبكة ذاتها بل تجاوز ذلك واخترق حدود (الدُحية) والتي أصبحت معشوقة جميع فئات السكان من أطفال وشباب وشيوخ وحتى الطبقة المثقفة والمتعلمة أصبحت تمارسها من منطلق الحفاظ على مجمل التراث الفلسطيني وإحيائه ولم يغب عن هذا القول حتى السياسيين وكبار القادة الذين يمارسونها بكل محبة.
اكتفى بذلك – ولكن أريد أن أرسل رسالة إلى من تجنوا علناً أو سراً على الدُحية أو وصفها بأوصاف لا أريد الخوض في النقاش والحديث عنها ولكن اكتفى ببعض الأسطر للحديث عن موقف شاهدته قبل ذلك ولم أقصد الإساءة أو التشهير لأيّ أحد وإنما ما شاهدته قبل ساعة من كتابة هذا الدبوس هو يؤكد صحة ما تقدمت به،
ففى منطقة سكناي ( ولا أريد أن أذكرها بالتحديد) وإنما هي في مدينة غزة، بدأت أصوات موسيقى وغناء من كافة الأشكال تغزو مسامعي فأخذني حبي لتلك الاحتفالات والحفلات وكذلك نشط فضولي فأخذني للذهاب إلى منطقتي الطرب واللتان لا يفصل بينهما أقل من مئة متراً فالأولى كانت كما يسمونها إسلامية وهي في ساحة ملاصقة للمسجد وتدور فيها الرقصات الإسلامية التي هي في جوهرها نفس الرقصات التي يسمونها (ماجنة) مع اختلاف حركة الأيدي ولكل الخصر والأكتاف تهتز وشاهدت الدبكة الإسلامية التي لا تعدو عن كونها دبكة فلسطينية تشوها بعض الحركات المبتذلة وغير المنتظمة، والغريب أن الدُحية وهي ثورة العصر كانت تشعلل بموسيقاها المميزة ولأنها منبوذة لديهم ولكنهم شديدو الرغبة في ممارستها فمارسوها في محاولة لتعلمها فكانت دُحية مدحدحة،
سرت إلى وجهتي الثانية وهي الحفل الذي يسمونه ماجناً كان في غاية النظام والترتيب والموسيقى والغناء المنعش وعشرات كثيرين شاهدتهم في هذا الحفل ممن أمتعهم صوت الحفل وانسحبوا من حفلهم الإسلامي وخاضوا غمار كل مكونات الرقص والدبكة والدُحية الراغبين وبشغف لتعلمها، وهذا فسر لي تراجع عدد الشباب في الحفل الإسلامي.
إذن دعونا نرفض وبأخلاقنا وثقافتنا وفهمنا المميز لحقيقة الأمور والمصطلحات والثقافات نرفض كل المزايدات والتبريرات لمهاجمة الدُحية ولا نريد بروز فهمان في مجتمعنا كما فهمان لبنان الذي كان يدعي الفهم لكل شيء حتى الفهم إلا أنه ظهر على حقيقته بأنه لا يفهم أيّ شيء عن أي شيء.
وقد جسد هذه الشخصية فنان لبناني يقوم بدور ناقد وفكاهي لمعالجة سلوكيات شاذة أو مرفوضة اجتماعياً أو حتى مقززة.
عاش التراث الفلسطيني بكل مكوناته من الزي والكلمة والرقصة والدبكة والدُحية وكل الأهازيج واللي مش فاهم مش عيب أنه يروح يتعلم ويصير يفهم.
عز الدين حسين أبو صفية