تاريخ النشر: 2020-05-12 | 21:12
تاريخ النشر: 2020-05-12 | 21:12
إن الدور التركى بأبعاده المتعددة أثار الجدل حول طبيعة وحقيقة الدوافع المحركة له بين اتجاهات تبرز الطابع البراجماتى للسياسة التركية وتركيزها على تحقيق المصالح الوطنية وفقا لحسابات قصيرة الأمد وأخرى ترى تحول السياسة الخارجية التركية نحو الشرق الأوسط فى إطار استعادة تركيا ذاتها الحضارية الإسلامية تحت قيادة حزب ذى مرجعية إسلامية ورؤية أخرى ترى استمرارية التوجه الغربى فى السياسة التركية والتوافق بين سياستها فى المنطقة مع ارتباط نشاطها بمساعيها لزيادة أهميتها الإستراتيجية لتعزيز فرص انضمامها للاتحاد الأوربى … لقد جسدت الرؤية التركية تكاملية العلاقة بين إستراتيجية تركيا لاستعادة الدور الإقليمى والمحورى لها، وذلك من خلال الالتزام بمنهج توافقى على كافة المستويات الداخلية والإقليمية والدولية, إن عملية تحديد الوضع الإستراتيجى لتركيا وتقييمه يتسم بمزيد من التعقيد فى ظل ارتباط هذا الدور بمحيط ديناميكى متبدل بشكل كبير، حيث أن تركيا تعيش أهم تحولاتها التاريخية من جهة, وتشكل ضمن محيط إقليمى ودولى يشهد هو الآخر أهم تحولاته التاريخية من جهه أخرى.
وجاءت السياسة التركية المنفتحة على العرب والمسلمين من جهة، ومن جهة أخرى نحو خيارات التحالفات الغربية, خاصة فى ظل عدم إتزان وانعدام الثقل العربى بعد التغيرات التى اجتاحت المنطقة والتى إطلق عليهاإعلامياً “ثورات الربيع العربى” وما نتج عنه من ضعف عربى أتاح للعديد من الدول الآملة فى دور جديد فى المنطقة بالبزوغ ومنهم بالتاكيد الدور التركى، إن هذا الدور مرتبط بشكل وثيق بما أصاب النظم العربية بمعظم أطيافهم السياسية من تراجع فى سياستهم الخارجية لصالح التعديلات الداخلية وإعادة ترتيب البيت العربى من الداخل بشكل فرادى أو جماعى.
وفى خضم هذه التحولات كانت الفرصة أمام العديد من القوى الإقليمية والدولية من الإمساك بناصية القيادة وإعتلاء المكانة، فى ظل الفراغ الإستراتيجى العربى، إن الدور الخارجى التركى لم يكن وليد الفترة الحالية وإن هذا الدور لم يظهر على الساحة الإقليمية والدولية إلا بعد حالة الفراغ الإستراتيجى الإقليمى الآنف ذكرها, فمع نهاية الحرب الباردة، وبعد حرب الخليج بالتحديد، تخلت تركيا عن سياستها الانكفائية فى الشرق الأوسط بهدف القيام بدور إقليمى أكثر فاعلية، وتمثل التسعينات عهد تحول فى علاقات تركيا بالشرق الأوسط، إذ لم يبرز عدد من العناوين الجديدة فحسب، بل إن الخلفية السياسية الداخلية للسياسة الخارجية عرفت بدورها تغيرات متسارعة.
ومن الواضح أن تركيا أصبحت اليوم, بعد عقود من الانكفاء الحذر عن محيطها الشرق أوسطى، لاعباً أكثر حيوية فى العلاقات السياسية بين دول المنطقة.
تبلغ مساحة تركيا حوالى 780.567 كم مربع منها 24000 كم مربع فى أوربا و 756.567 كم مربع فى آسيا, ويبلغ طول حدودها 2753كم, منها 877 مع سوريا و 610 كم مع روسيا، و 269 كم مع بلغاريا, و230 كم مع العراق, و454 كم مع إيران ويبلغ طول سواحلها 8333 كم على البحر الأسود، و 1577 كم على البحر الأبيض المتوسط و 2705 كم على بحر ايجة و 172 كم على الدرنديل، 90 كم على البوسفور, و 927 كم على بحر مرمره.
وتمثل هضبة الأناضول قلب هذه المساحة وهى هضبة عالية لها حدود طبيعية البحار من الشمال والغرب والجنوب وسلسلة من الجبال العالية من الجهة الشرقية، وقد كان لهذه الهضبة تاريخاً مؤثراً فى بلورة الفعل السياسى العام للإمبراطوريات التى كانت تركيا جزءاً منها، واتجاه الإمبراطوريات المجاورة التى كانت تنشد التوسع والمجد.[4]
وقد منحها موقعها المتميز والحيوى فرص الإطلالة على نقاط الفعل الدولى والتأثير فيها، فبإشرافها على مضيقى البوسفور والدردنيل، فهى تسيطر على الممر الملاحى الوحيد لسفن كل من بلغاريا، رومانيا، وروسيا نحو الموانئ العالمية، وهو الأمر الذى يجعلها بالتكامل مع قناة السويس وباب المندب، جزءاً مهماً فى الواجهة الإستراتيجية العالمية لحلف الناتو.[5]
ولقد استدرك المنظرون وخبراء الإستراتيجية العالمية هذه الأهمية، وأخذوا ينظرون إلى تركيا بهدف الاستفادة من موقعها فى منطقة الشرق الأوسط أولاً ومجاورتها الاتحاد السوفيتى سابقا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز ( حالياً)، عند وضعهم لمشاريعهم الدفاعية الإستراتيجية، كما أخذ التفكير الغربى يواى أهمية كبيرة لتركيا، كونها تعد نقطة انطلاق ثابتة أو محتملة لأية قوة عالمية، تفكر فى الوصول إلى منطقة الخليج أو السيطرة على منطقة المضايق ( البوسفور والدرندنيل) وإطلالاتها البحرية المتعددة، ولكونها الجسر الذى يربط الشرق بالغرب.
ليس جديداً على السياسة الخارجية التركية نجاح وساطتها في الملف النووي الإيراني، إذ سبق وأن لعبت تركيا دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل في المفاوضات غير المباشرة، والتي توقفت بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة في نهاية العام 2007، وتوطد الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط مع توطد علاقاتها مع سوريا، وكان لافتاً سرعة تحرك الدبلوماسية التركية لاحتواء الأزمة التي نشأت ما بين بغداد ودمشق بعد تفجيرات "الأربعاء الأسود" من شهر سبتمبر/أيلول من العام 2009، على خلفية اتهامات وجهتها الحكومة العراقية ضد دمشق، وامتد التحرك التركي إلى الملف الفلسطيني بالتنسيق مع مصر، وطاول دورها العراق ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي وسواها.
كما أعطى هذا الموقع الفرصة للنخب الحاكمة التركية، لاستغلاله لصالح تأدية تركيا دوراً إقليمياً رائداً فى القضايا ذات الأهمية الإستراتيجية، معنمدة على ما تملكة من مزايا جيو- سياسية وجيو- إستراتيجية لتحقيق انفتاح إقليمى، وقد تعززت هذه المزايا بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وقربها من أهم مصادر الموارد الطاقة فى العالم، أى الشرق الأوسط وحوض قزوين وإدراك أهميتها بالنسبة للهندسة الأمنية لأوربا والغرب عموما بعد الحرب الباردة.