بعد زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية ولقاءه بالرئيس الأمريكي باراك أوباما وما تمخض عن هذا اللقاء هو القليل من التصريحات، لكن المتفحص والمتابع لما بين السطور وما يدور خلف الكواليس يجد أن ضغوطات كبيرة مورست على الطرف الأضعف في المعادلة وهم الفلسطينيون من أجل تمديد المفاوضات لنهاية العام مقابل إطلاق الدفعة الرابعة من الأسري الفلسطينيين، وإعطاء فرصة أكبر لجون كيري لإقناع الطرف الاسرائيلي المتعنت بأهمية قيام دولة فلسطينية بجانب إسرائيل، وأن ذلك الأمر سيكون في صلب مصلحة الإسرائيليين قبل الفلسطينيين، بل ومصلحة الولايات المتحدة والعالم أجمع لأن أوروبا تعتبر الحديقة الخلفية لفلسطين وليست أوروبا بمعزلٍ عن الأحداث في فلسطين، وإن لم يتم التوصل إلى اتفاق حل الدولتين، لن تنعم المنطقة كلها بالأمن أو السلام، لأن القضية الفلسطينية ستبقي جوهر الصراع في العالم أجمع، وفي منطقة الشرق الأوسط بالذات إن لم تُحل قضية الشعب الفلسطيني،،، وإن حلها وإقامة دولة فلسطينية ولو على جزء بسيط من فلسطين التاريخية يعني توفير الأمن للإسرائيليين وإقامة العلاقات الواسعة لهم مع الدول العربية والإسلامية برمتها" وإن ضاعت الفرصة بحل الصراع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين بوجود الرئيس أبو مازن- لن يجدوا فرصة أفضل للحل- ولقد وصل الأمريكان لقناعة بضرورة حل تلك القضية؛ حتي أن الرئيس الأمريكي أوباما قبل زيارة الرئيس عباس لواشنطن وصف الرئيس الفلسطيني بقوله: "أعتقد أن لا أحد سوف يجادل في أنه مهما تكون لديك خلافات معه، فقد أثبت أنه شخص ظل ملتزماً بعدم العنف وبالجهود الدبلوماسية لحل هذه القضية الشائكة، وأعتقد أنهُ نوعية نادرة، في الشرق الأوسط عموماً، حيث تكون قد حصلت على شريك من الجانب الآخر، مستعد للتفاوض بجدية، ولا يشارك في الخطابة الجامحة التي كثيراً ما تُشاهد في العالم العربي عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وأظهر نفسه ملتزماً بالحفاظ على النظام داخل الضفة الغربية، وبالتعاون مع الإسرائيليين حول مشاغلهم الأمنية، ولذلك إذا لم نغتنم هذه اللحظة، فأعتقد أن ذلك سيكون خطأً كبيراً"، خاصة وأن الفلسطينيين "ما زالوا يفضلون السلام، أنهم يفضلون دولة خاصة بهم، وإرسال أطفالهم إلى المدارس بأمان، والسفر إلى الخارج، والذهاب والمجيء من العمل دون الشعور كما لو أنهم محددون أو مقيدون كشعب، وهم يدركون أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان، لذلك أعتقد فعلاً أن الأصوات من أجل السلام داخل المجتمع الفلسطيني، ستكون أقوى مع وجود اتفاق إطاري، وأن موقف أبو مازن سيتعزز في وجود إطار للمفاوضات"، ويستطرد أوباما قائلاً:" حول الأمن الإسرائيلي إن جزءاً مما قام به جون كيري، هو البحث في احتياجات إسرائيل الأمنية، بمساعدة الجنرال جون ألين، القائد السابق في أفغانستان، وقد طورا اعتماداً على محادثات أجرياها مع قوات الدفاع الإسرائيلية، حول احتياجات إسرائيل الدفاعية، وتوصلا إلى خطة للكيفية التي سيتم بها التعامل مع منطقة الأغوار الفلسطينية مع حدود الأردن، وكيف يمكن التعامل مع التهديدات المحتملة التي يمكن أن تواجه إسرائيل، وذلك عبر طريقة، أو طرق لم يسبق لها مثيل في التفاصيل، ولا سبق لها مثيل في النطاق، وهدفها تلبية الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية" ويصف الوضع في المنطقة على أنه معقد وصعب للغاية، ومع ذلك يقول الرئيس أوباما: "إن الوضع في العالم العربي لن يتحسن، والمشاكل لن تحل نفسها بنفسها، والمشكلة التي تواجه إسرائيل لن تزول وحدها، سيكون هناك المزيد من الفلسطينيين، وهم لن يقلوا مع مرور الوقت، وسيكون هناك المزيد من العرب الفلسطينيين في الداخل المُحتل عام 1948م وهم لن يقلوا، مع مرور الوقت" وحول معالجة إسرائيل لهذا الوضع يقول أوباما: "لم أسمع حتى الآن رؤية مقنعة لكيفية نجاة إسرائيل، وكيف ستعيش بسلام مع جيرانها في غياب اتفاق سلام مع الفلسطينيين، والتوصل إلى حل الدولتين، لم يقدم لي أحد سيناريو معتدا به، الشيء الوحيد الذي سمعته من الإسرائيليين هو: سنستمر فقط في القيام بما نقوم به، وسنتعامل مع المشاكل عند ظهورها، وسنقوم ببناء المستوطنات حيث نستطيع، وحيث تكون مشاكل في الضفة الغربية، سنتعامل معها بشدة، سوف نتعاون مع السلطة الفلسطينية، أو نحتويها،– يقول أوباما كذلك: " لا أرى حلاً فعلياً للمشكلة، هل سيبقى الاحتلال دائماً للضفة الغربية؟؟ هل ستطبق سياسات أكثر تقييداً لحركة الفلسطينيين؟؟ هل سيتم وضع قيود أكثر على العرب الإسرائيليين؟؟" يسأل أوباما، ويصل إلى نتيجة بقوله: "على رئيس الوزراء نتنياهو أن يجيب حول إذا كان لا يعتقد أن التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله من قبل إسرائيل، فعليه أن يُفصح عن نهج بديل، والواقع أنه يصعب الخروج ببديل من الممكن أن يكون معقولاً؟!". وحينما سُأل الرئيس أوباما من أحد الصحفيين – إن لم تلتزم إسرائيل بحل الدولتين وبقي التعنت الاسرائيلي لاستحقاقات السلام ماذا سيكون رد الولايات المتحدة؟ قال أوباما: "إن التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل لا يخضع للخلافات السياسية، إنه التزام بصلابة الصخور، وأعتقد أن المودة التي يشعر بها الأميركيون نحو إسرائيل، والروابط والدعم الأميركي نحو إسرائيل لن تتأثر، ولذلك، ليس من الواقعي، ولا هي رغبتي، تغيير الالتزامات الأساسية التي لدينا تجاه إسرائيل خلال الفترة المتبقية من إدارتي أو الإدارة المقبلة، ولكن إذا وصل الفلسطينيون إلى الاعتقاد، أن إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، ومتصلة جغرافياً، لم يعد في تناول اليد، فإن قدرتنا على إدارة (ومعالجة) التداعيات الدولية ستكون محدودة، وهذا يعني أن إدانة المجتمع الدولي، يمكن أن تترجم إلى عدم تعاون عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأمنية الرئيسية، وهو يعني انخفاض تأثيرنا، كأميركيين، في القضايا التي تهم إسرائيل".
كل ما سبق ذكره من قبل أوباما وما جنيناه من أوسلوا بعد عشرين سنة من المفاوضات العقيمة أصبح جليًا للجميع أن الرهان على تغيير أميركي في المدى المنظور، أمر مستبعد، رغم عدم الرضا الأميركي من سياسة إسرائيل، وبرغم رؤية الرئيس أوباما، من فشل أكيد لسياسات نتنياهو، بل ولمجمل السياسة الإسرائيلية، والتي لا تريد للشعب الفلسطيني أي حقوق مشروعة بل يريدون ترحيل الشعب الفلسطيني أو إبادتهِ من الوجود- ذلك يؤكد أن المفاوضات وصلت أو ستصل إلى الطريق المسدود قريبًا، وأن تلك المفاوضات إن استمرت ستكون ستارًا لجرائم إسرائيل اليومية ولمزيد من القضم والضم والتوسع لبناء المستوطنات الصهيونية الجديدة بالضفة المحتلة علي حساب الشعب الفلسطيني– وكذلك أصبحت القدس الشريف في مهب الريح في ظل تقسيم زماني ومكاني بدأت إرهاصاتهُ من خلال الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى المبارك تحت سمع ومرأي السلطة المكبلة ومرأي العالم العربي والإسلامي العاجز عن عمل أي حل سوي الشجب والاستنكار على استحياء في ظل (الربيع الدموي)- تلك هي عقلية الساسة الصهاينة التوسعية والتي ستؤدي حتمًا إلى الفشل الدبلوماسي الأميركي لكيري وغير كيري أمام العالم أجمع، وستفقد واشنطن قوة تأثيرها، وعجزها عن توفير الغطاء أو الدعم الأميركي للسياسة الإسرائيلية لدى المؤسسات الدولية طال الزمن أم قصر؛ وحصيلة ذلك يجب أن يكون مفهوماً وهو أن الفعل الفلسطيني يجب تركيزه باتجاه اختراق المجتمع الإسرائيلي، أكثر من تلك الجهود التي تستهدف تغيير المواقف الأميركية والأوروبية على أهميتها؛ ويجب تعزيز وتقوية استراتيجية وطنية موحدة تلتف حول مشروع المقاومة الشعبية حاليًا ولو بصورة مؤقتة حتي تختلف الموازيين الدولية- وفي ظل تأزم وانشغال العالم العربي بمشاكلهِ، فإن المشروع الوطني الفلسطيني، حتى ولو ظهر ضعيفاً أمام قوة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي- والذي سينهار بصمودنا فوق أرض فلسطين، ولأننا نملك عناصر قوة، تؤهلنا للانتصار لأننا أصحاب الحق وقضيتنا الفلسطينية قضية عادلة أمام باطل زائل- ونحن متمسكين ومزروعون بأرضنا وفي وطننا وخلف حقوقنا برغم قسوة السجن والسجان- وبرغم قوافل الشهداء- وبرغم الحصار- وبرغم تقاعس العرب وتقصيرهم نحو قضيتنا، وبرغم محاولات تشريد المشردين من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات الشتات بسوريا ولبنان لكننا متجذرون كشجر التين والزيتون في أرضنا المقدسة المباركة- لأننا نؤمن أننا أصحاب الحق ونحن في رباطٍ إلى يوم القيامة كما كان يحب أن يردد هذا الحديث الشريف دومًا في معظم خُطبهِ القائد الشهيد أبو عمار رحمهُ الله – ونستمد قوتنا من عدالة قضيتنا المشروعة لنا من رب العالمين عقائديًا، والمذكورة من فوق سبع سماوات في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المُطهرة ومن ثم مجسدة كذلك ولو بجزء بسيط من فلسطين التاريخية في قرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار العودة واستعادة الممتلكات رقم 194، وقرار التقسيم 181، والذي ينتقص من حقنا التاريخي في فلسطين التاريخية التي يعلم العالم أنها كُلها لنا- وبرغم ظلمة الليل الحالك والسير في المجهول ، ومع بقاء الانقسام الفلسطيني البغيض بين الضفة وغزة والذي ترعاه إسرائيل ليكبر يومًا بعد يوم بأيدينا، ومع وجود التناحر الداخلي في الصف الفلسطيني الفتحاوي الفلسطيني - لكننا على يقين بأن أبناء شعبنا الأبطال يملكون شجاعة اختراق المجتمع الإسرائيلي، والعالم ومحاولة كسب الجميع لعدالة قضيتهم وشرعية مطالبهم، في وقتٍ بات جليًا لكل العالم وحتى الولايات المتحدة بأننا مهما كنا ضعافًا لكننا أقوياء بحقنا وبعدالة قضيتنا وعدونا مهما كان قويًا عسكريًا ومتفوق علينا فهو رغم ذلك ضعيف لأنه يقوم على الظلم والقتل والعنصرية ورفض الآخر، ويرفض حتى أن يعطينا ولو جزء بسيط جدًا من وطننا السليب؛ وهذا سبب إخفاق الصهاينة وإحساسهم بعدم الشرعية، رغم مصادر القوة التي تملكها إسرائيل مقارنة مع الإمكانات المتواضعة المتوفرة لفلسطين؛ إن المستقبل لنا والحاضر لنا شاء من شاء وفاوض من فاوض؛ ووقف ضد قضيتنا من وقف- وسيأتي اليوم القريب بإذن الله الذي سينتصر به الدم الفلسطيني على السيف والجلاد الصهيوني – فإنها سنة الله في الكون أن لا يبقي القوي قويًا وأن لا يبقي الضعيف ضعيفًا- وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح- فأما الزبدُ فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس سيمكث في الأرض، وسيأتي اليوم الذي سترجو منا إسرائيل قَبوُلنا بدولة على حدود الرابع من حزيران عام 1967م وسنرفض ذلك لأننا يومها سنكون أصحاب القوة والإرادة ولأننا قدمنا مئات الألوف من قوافل الشهداء والجرحى والأسري الذين منهم من قضي نحبهُ ومنهم من بقي صامدًا ينتظر يقول نموتُ أو ننتصر، يرونها بعيدة ونراها قريبًا وإن النصر حليفنا وستندم يومًا ما إسرائيل على ما تفعله بنا من قتل وتشريد وحصار وتدمير وحرق ونهب وسلب لنا وللتنكر لأبسط حقوقنا- لأنهم تناسوا أو نسوا بأنهم وقعوا مع شعبٍ اسمه شعب الجبارين – شعب المجاهدين والصابرين والمثابرين- شعبٌ يحب السلام والعيش بسلام - ومؤمنون بالله ومن ثم بحقهم الثابت في أرضٍ بارك الله فيها وفيما حولها، لكن السلام الذي نشده الشعب الفلسطيني طويلاً ولم يجد من العدو المحتل أي أذانًا صائغة؛ قد تصلب جسده مع قسوة المحتل، ومرور السنين وستخرج أجيال مُتعلمة من تحت الركام أشد بأسًا وأكثر شكيمة وعزمًا- لكن عقلها صلب لا يعرف لغة المفاوضات وستكون لغتهُم هو الجهاد والاستشهاد والعزم على تقديم الغالي والنفيس من أجل أعظم وأقدس عروس في الدنيا اسمها فلسطين ومهرها دفع النفوس، ونحن الأن مع وجود العسر ومن ثم العسر، ومن ثم العسر ننتظر الفرج واليُسر القريب، وإن أشد ساعات الليل حلكةً وظلامًا تلك الساعة التي تسبق بزوغ الفجر - ووقتها سيندم المحتل الغاصب ويومئذٍ لا ينفع الندم، يا أحرار العالم إن موعد الشعب الفلسطيني الصبح والفجر القريب القادم لا محالة، وعلينا فقط أن نرجع رجعة صادقة مع الله عز ونتصالح مع أنفسنا ونوحد صفنا وكلمت