لقد عاني سكان قطاع غزة على مدار التاريخ الكثير، من الويلات والغزوات، وكانت سنوات الاحتلال الصهيوني الأكثر قسوةً لسكان القطاع والذين فجروا وأشعلوا شرارة الانتفاضة الأولي والتي عُرفت (بانتفاضة الحجارة) بتاريخ 8/12/1987م وكانت باكورة العمل الفدائي في السبعينات عبر الشهداء رفيق السالمي وجيفارا غزة محمد الأسود والخواجة وغيرهم سلسلة طويلة وكوكبة كبيرة من الشهداء القادة الكبار منهم الشهيد أبو جهاد خليل الوزير أول الرصاص وأول الحجارة والشهيد صلاح خلف أبو إياد والشيخ الشهيد أحمد ياسين وفتحي الشقاقي وغيرهم رحمهم الله جميعًا، ولقد أوصي النبي صلى الله عليه وسلم بأهل غزة خيراً حينما قال: "خير الرباط رباط عسقلان" وهي تقع على ساحل غزة على بعد عشرين كيلو متر منها تقريبًا؛ وأهل غزة قلوبهم تدقُ شوقًا إلى القدس وأهلها وتدمع المقلُ في عيونهم شوقًا للضفة الشامخة وأهلها الكرام العظام، ولكل فلسطين المحتلة؛ لقد كانت اتفاقية أوسلوا للسلام نتاج الانتفاضة الأولي والتي انخرط أبناء الانتفاضة ومنهم صقور الفتح وغيرهم من العديد من أبناء التنظيمات في السلطة الوطنية الفلسطينية وفي أجهزتها العسكرية وفي الأمن الوطني وكانوا عنوانًا للانضباط والالتزام بقرارات القيادة وكانوا أبناء الأجهزة الأمنية شعلة الانتخابات الفلسطينية الأولي عام 1996م والتي فازت بها حركة فتح بالرئاسة في السلطة وبالمجلس التشريعي الفلسطينية وكذلك كانوا في رأس الحربة في انتفاضة الأقصى وتقدموا قوافل الشهداء عبر كوكبة من قوات الأمن الوطني والرئاسي وقوات ال17 والشرطة وجميع أبناء الأجهزة الأمنية ومضت المسيرة وكانت هناك بعض الأخطاء من قادة بعض الأجهزة الأمنية وبعض الأفراد المحسوبين عليهم ولا شك أنهم عاثوا فسادًا وأثر ذلك سلبًا على ألاف الشرفاء من ابناء الأجهزة الأمنية الذين كانوا غاضبين وحانقين على تصرفات غير أخلاقية، وحينما جاءت انتخابات التشريعي الجديدة عام 2006م وفازت حماس بأغلبية عُظمي في المجلس التشريعي بتلك الانتخابات؛ لم يكن هذا الفوز بأكثر من 78% من مقاعد التشريعي سببه عناصر حماس وكثرة عددهم؛ بل كان سبب ذلك أن العديد من أبناء الأجهزة الأمنية وأبناء القاعدة الفتحاوية العريضة قد ضاقوا درعًا بتصرفات بعض قادة الأجهزة الأمنية الفاسدين بغزة وبعض الأفراد المنتسبين لتلك الأجهزة وبعض من قادة أبناء فتح بغزة المتسلقين والمنتفعين على حساب الأخرين فأرادوا تلقينهم درسًا قاسيًا فقاموا بإعطاء أصواتهم الانتخابية لحركة حماس على غير قناعتهم الحقيقية عقابًا لهم على ظُلمهم وعدم العدل وغياب مُحاسبة بعض أولئك الفاسدين الذين أثّر فسادهم على الجميع؛ واليوم وأقولها بكل صراحة ولن أخاف في الله لومة لائم مهما كان قول الحق صعبًا على الجميع، بعد حصول الانقلاب بغزة وبدأ مرحلة الانقسام البغيض التي استمرت 8 سنوات تقريبًا واستبشرنا خيرًا بتشكيل حكومة الوفاق ومن ثم إعلان قدومها الخميس المقُبل لقطاع غزة؛ نقولها ليسمعها القاصي والداني لقد دفع أبناء الأجهزة الأمنية ضريبة الانقسام غاليًا من دمهم وقُتل منهم أكثر من ألف نحسبهُم شهداء عند الله عز وجل، وأصيب المئات وأصبح العشرات بلا أطراف ومعاقين بسبب الانقسام، وتعرض العديد منهم للسجن والتعذيب ولا أريد أن أفتح جراحًا غائرة قد دملها الزمن؛ لتأتي الحرب المجرمة الارهابية على قطاع غزة من قبل العدو الصهيوني ويصمد كل الشعب بغزة مقاومة وأبناء الأجهزة الأمنية الذين يتقاضون رواتبهم من السلطة الوطنية برام الله والتزموا بقرار الشرعية مُمثلاً بالسيد الرئيس ورئاسة مجلس الوزراء قبل 8 سنوات مضت بالجلوس في بيوتهم وكان من يداوم بالحكومة المُقالة بغزة سابقًا يقُطع راتبه؛ وجاء عيد الأضحى بعدما انتهت حرب مدمرة ارتقي خلالها الالاف من الشهداء وكان منهم كوكبة من أبناء تلك الأجهزة الأمنية، ليواجه أبناء تلك الأجهزة صدمة وصعقة كهربائية مُتممة لصاعقات الحرب على غزة وذلك بقيام حكومة الوفاق برئاسة الدكتور رامي الحمد لله بخصم علاوة القيادة على العسكريين التابعين للسلطة برام الله، ليقتلوا ما تبقي من أمل بالفرحة بالعيد؛ إن هذا القرار هو قرار جائر وظالم في ظل غلاء معيشة رهيب وغير مسبوق وفي ظل أن معظم مُنتسبي الأجهزة الأمنية بغزة ممن يتقاضون رواتبهم من السلطة الوطنية هم تحت خط الفقر وأكثر من نسبة 55% منهم مُقترضون من البنوك ويعيلون أُسرًا كبيرة؛ جاء هذا القرار بعد التأييد الشعبي الجارف من العسكريين للسيد الرئيس بعد الحرب وخطابه الرائع في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لتخلط الأوراق ولتقلب الموازيين وخاصةً أن العسكرين قبل الحرب تلقوا صفعة كذلك وهي استبعادهم من الانتخابات في المناطق والأقاليم لحركة فتح، مع العلم أن أولئك المظلومين من أبناء الأجهزة الأمنية في غزة منهم قادة العمل الوطني والنضالي ومنهم من أمضوا زهرة حياتهم في السجون الصهيونية ومنهم من اصبح معاقًا ومنهم الشهداء ومنهم العلماء والأدباء والمفكرين والمبدعين ومنهم الكثير من حملة الشهادات العليا الماجستير والدكتوراه ومنهم قادة العمل الفدائي والشعبي لمقاومة الاحتلال ومنهم خيرة كوادر حركة فتح؛ فمن فعل ذلك وقام باللعب بالنار في قوت أولادهم وأرزاقهم بدلاً من إكرامهم لهو مُخطئٌ أشد الخطأ، لأنهم من أمضوا عشرات السنين وزهرة شبابهم في السلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية والأن أصبحوا بلا علاوة قيادة وما خفي كان أعظم!! ستكون هذه الحادثة الأليمة عليهم لها تبعاتها الغير محسوبة النتائج في أي مرحلة قادمة ومن أشار بهذا القرار فهو لم يُحسن صنيعًا ومن هنا نتوجه بدعوة صادقة للسيد الرئيس بإلغاء هذا القرار وكأنه لم يكُن حفاظًا على أبناء فتح وقاعدتها والتي هي ناقمة من قيادة المناطق والأقاليم بغزة ومن أعضاء اللجنة المركزية ومن الهيئة القيادية العليا للحركة بغزة لتجاهل فئة وشريحة راقية ومتعلمة ومميزة من كوادر وخيرة أبناء الحركة المنسبين للأجهزة الأمنية في السلطة الوطنية الفلسطينية؛ وما زال الأمل يحذو الجميع بتجميد هذا القرار الجائر والغير صحيح والذي جاء في وقتٍ عصيب وفي مرحلة حرجة من خروج من الحرب والعدوان وبعد شهر رمضان الفضيل ومن فترة التجهيز لأولادهم للمدارس والجامعات ومن التحضير لعيد الأضحى المبارك والذي أضحي حزينًا؛ وصدق الشاعر الإمام الشافعي القائل:
نعـــيب زمـــاننا والعـــــيـب فــينا .... ومــــا لزمــــاننا عــــيب ســــوانا
ونهجــــوا ذا الزمــان بغـــير ذنب .... ولو نطــــق الزمـــــان لنا هجــانا
وليس الذئب يأكــل لحـــم بعـــض .... ويأكــــل بعضــــنا بعضــــا عـيانا
الكاتب والمفكر الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد ابو نحل