تاريخ النشر: 2016-06-16 | 00:39
تاريخ النشر: 2016-06-16 | 00:39
خلال زيارتي للولايات المتحدة الأمريكية قبل عدة سنوات، أدهشتني تلال أوزباك في ولاية أركنساس في غابة ثورنكراون الكثيفة والجميلة، حيث تقع كنيسة جميلة المعمار، بسيطة الهندسة، مصنوعة من الخشب، لا نوافذ فيها، إنما جدران كبيرة من زجاج شامخة في هذا الموقع المذهل. كان المعمار ملفتاً للنظر وعبق الزمن يحوم حولها حتى أصبحت محطة سياحية لرواد الولاية.
كانت الكنيسة يميزها ارتفاعها المعماري الشاهق ليقف هذا المصلى بين الأمثلة البارزة للعمارة الروحية في القرن الـ 20. بُنيت الكنيسة على هذا الشكل وفي هذا الموقع لكي يكون العابد قريباً من الرب. وبخلاف أننا لسنا بحاجة إلى علو المكان لبلوغ علو المكانة عند الله، إلا أن فكرة استخدام الزجاج في معبد ديني حيث أنك ترى خارجها وأنت في الداخل، ومن هم في خارجها يرون ما بداخلها هو رمز لشفافية مهيبة لروح كل من الدين والعابد.
لم تكن زيارتي الأولى للمسجد الأقصى أقل دهشة وجمالاً، فقد حملت لي نوراً روحانياً عظيماً، وكأن أحداً يحمل روحي إلى درجات من السلام الداخلي، ويقول: " روحك تحلق في عنان السماء".
إن الأماكن الدينية روحانية وملهمة جداً، وتعتبر أماكن للتجمع الروحي لأن تعبد الله وتستشعر عظمته حولك، وإنها تذكرك بأن الدين هو خلاف الحجاب والنقاب واللحى، والمسواك، وزيارة بيوت العبادة. إنه طاقة روحية عظيمة تصل العابد بربه.
إن قداسة الروح هي جزء من قداسة الدين المحفوظة في القلب، وتعتبر بحد ذاتها غذاء لروح الإنسان بشكل عام، والعابد بشكل خاص. ومن المؤسف انشغال الجميع بمظهر الدين على جوهره. فنُسيت طهارة الروح والقلب، والخير والسلام الروحي. إن الدين نور ودستور للروح قبل الحياة، وسلم يرفع به إلى مجد السلام والطمأنينة، بعيداً عن ظلمات الروح وخنادقها، لتحيل الروح به ظلمات الحياة إلى نور.
تكمن روح الدين في التأمل والإيمان، وهو ما يكسب الروح عمقاً فريداً، يكسبها طاقة من نور تنظم سراديبها. ينظم الدين أيضاً الحياة الاجتماعية للبشر، فيحدد فيها الأسس والثوابت، والمناهج والقيم الحقيقية التي ترسم السلام على وجه الأرض وتساعد في تطبيق مبادئ الخير والمحبة والتسامح، كل قيم الرقي والسمو والرفعة والحكمة والجمال، والتسامح، والإيمان، ونكران الذات، والعدل والمساواة، التي نحن في أمس الحاجة إليها بعيداً عن قيم التعصب العنصري والقهر والجهل.
إن ما يحدث للأسف هو استغلالاً بشعاً للدين وتعرضاً واعتداء على ثوابته وقوانينه وقيمه الروحية، فالدين عقيدة سماوية ثابتة واضحة المبادئ ولا يجوز لأحد أن يدخلها في مناهج سياسية فيقطعها حسب أجنداته ويصنع أحزاباً دنيوية متصارعة متكارهة يكفر بعضها بعضا، وكل يدعي أنه صاحب الحقيقة ويمثل إرادة السماء!
ما أحوجنا اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى الغور العميق في الروح، بدلا من مظاهر العبادة الشكلية، وأن نحي في داخلنا بارئ روعة الهدي، وأن نسمو بأرواحنا في رفعات الفضاء في نور وصفاء كقداسة القدس، أو شفافية زجاج الكنيسة، حيث تحمل أرواحنا جمال الدين وطهارته وحضارته وتبقى قداسته بعيداً عن التسيس والاستغلال من أجل تحقيق المطامع.