تحرك في القمة .. قالها وهو يهذي ثم مات .. لا أعرف حينها ماذا كان يقصد بكلماته الثلاث " تحرك في القمة "واسترجعت شريط الأحداث في أيامه الأخيرة حيث وصل لكل ما يتمناه الآخرين مالا وجاها وسلطانا إلا أن شعورا قديما مزمنا بالدونية ظل يطارده حتى في سكرات موته.
في أحد المناسبات احتد النقاش بيننا حول الغياب عن الوعي بالمسكر فقال لي ساخرا الراس اللي ما في كيف حلال قطعه فقلت له هذا ليس صحيحا السكر هو قمة التحول للدونية قال يا دكتور السكر يجعلك تتحرك في القمة منتعشا وتنسى الدنيا وما فيها قلت له لماذا تريد نسيان الدنيا وما فيها فأنت في وضع يتمناه الجميع وأنت تتحرك في القمة دون داع للسكر قال انتا فاكر الفلوس والجاه والسلطان هي كل شيء قلت له ولكنها تحميك من كثير مما يعانيه الناس وتساعدك على الحياة بسهولة ودون صعوبات قال يا دكتور أنت تفسر الكلام بسطحية قلت له ليس كل الأغنياء مثلك وأصحاب الجاه والسلطان يسكرون فسكت طويلا وغارت عيناه وأشاح بوجهه عني وكأنه ينظر لشخص بجواره وتمتم قائلا الأغنياء من زمان لا يحتاجون المسكر وإلا لما ظلوا أغنياء وضاعت أموالهم فقلت له وأنت تملك الكثير وتكاد تكون أغناهم التفت بوجهه إليّ وحدق في عينيي باشمئزاز وانفجر بي قائلا يا رجل مستكثر علينا يومين ننبسط فيهم طول عمرنا فقراء ونعاني البلاوي عصبت عليه وصرخت به قائلا هل تريد أن تعود فقيرا قال لا لن أعود فقيرا وسأحافظ على مالي كي يعيش أولادي دون مرمطة وأنا الآن أتحرك في القمة خليني مبسوط قلت منهيا حديثي ألم تقل أن الأغنياء من زمان لا يحتاجون المسكر وإلا لما ظلوا أغنياء وضاعت أموالهم أنت لا تتحرك في القمة أنت بسكرك تعود للفقر والدونية .. أفحمته بالحديث إليه عن الفقر ولكني فشلت في نقله من حالة عميقة في ذاته وحقيقة لم أعرف كيف أنقذه من الشعور بالدونية فهذا صعب ومستحيل ومزمن ...
تركته وغادرت وأنا أسير في طريقي ليلا والشوارع هادئة وقليل من الناس يتحركون مشيا أو بسياراتهم فالوقت كان متأخرا وقلت لنفسي متسائلا لماذا يسكر الناس ؟ حاولت أن أجد سببا يوحد السكيرين على سكرهم فمنهم الغني ومنهم الفقير ومنهم صاحب الجاه والسلطان ومنهم السقط ومنهم الجاهل ومنهم المثقف ومنهم السياسي ومنهم الطبال ومنهم المغمور ومنهم المشهور ومنهم الرجل ومنهم المرأة ومنهم المريض ومنهم الطبيب ومنهم من شرب المر بدون كاس ومنهم من سكر من عطر الأنفاس وتوقعت أن الشعور بالدونية أقوى من الشعور بالفقر وهو من يناديهم لكي يعودوا بسكرهم للدونية التي ليس لها علاج إلا حين تأتي سكرات أقوى هي سكرات الموت.