امرأة المخيم التقليدية امرأة متفردة لها ملامحها و طباعها الخاصة و طريقة حياتها الخاصة بها أيضا , كانت فاطمة مثال الامرأة الأجمل في مخيم اليرموك , عاشت حياتها متعبة بابتسامة لا تفارقها, تهرول في سوق خضرة شارع فلسطين بعباءتها السوداء و جسمها الممتلئ و حجابها البسيط لتطعم أولادها الأربع , متبرجة كانت فاطمة دائما بضحكة السخرية من الزمن و ضحكة فرحة لقاء أحبتها ,ضحكتها التي كانت تخرج من القلب المتعب تضاهي معجزة موناليزا
أكثر ما يميز امرأة المخيم كثرة غلبتها فهي تعرف كل أخبار الجيران قبل الجيران أنفسهم وهي صديقة الكل و تقف مع الحق أمام مئة رجل ان لزم الأمر دون أن يطلب منها و هكذا كانت فاطمة ....
جاءت الحرب لتزور مخيمنا الدافئ زيارة دموية لعينة لم يرغب بها أحد فينا , فاطمة التي تشبه المخيم، ملامحها شاخت كما شاخ المخيم في فترة الحرب ,ابنة فاطمة متزوجة بشاب أهله يعملون في الدولة ففي أول أزمة المخيم أخرجت ابنتها و حفيدتها مع زوجها خوفا عليهم , رغم سوء الوضع في المخيم الا أن أولادها وزوجها رفضوا الخروج من المخيم بسبب سوء وضعهم المالي , بعد فترة خافت فاطمة على ابنها الصغير و كان لها الخيار اما أن يترك المدرسة خوفا عليه أو النزوح ليكمل ابنها دراسته في المناطق الآمنة , فأخذت ابنها الى رحلة النزوح عند الاقارب حتى أكمل عامه الدراسي وعادت الى أولادها عادت الى المخيم,عاشت فاطمة الجوع وانتظار الموت..... حتى قررت ذات يوم بعد أن فقد الجميع الأمل في فك الحصاروعودة المخيم الى اهله حينذاك أن تصل الى أخوها الذي يقف على الحاجز مع القيادة العامة ومن بين الرصاص أخذها الخوف على ابنها الصغير مجددا لتتحدى طريق الموت حتى وصلت من داخل المخيم الى الحاجز, أذكر مثل اليوم كلمتها : \" أخذت ورد وركضت ما بدي أشوفو يموت الجوع يا نموت مرة وحدة يا مننفد \" , قلب فاطمة المشتت أثقلها هما فلقد أخرجت ابنها الصغير من الموت لكنها لم تغف عينها عن هم أولادها المحاصرين في المخيم , فاطمة كانت تذهب يوميا الى مدخل المخيم لمدة شهرين حاملة مؤونتها علها تستطيع أن تدخلها لأولادها دون جدوى ,فاطمة أكثرنا شبها لشآم زمن الحرب ...., أولادها محاصرون في المخيم , اخوتها في القيادة العامة , أهل زوج ابنتها يعملون لدى الدولة وفاطمة وحدها الخاسر الأكبر فكلهم أحبائها ....., كانت فاطمة دائما في حيرتها تختار ابنها الصغير في أولوية خوفها ,ربما لأنه المستقبل وربما لأنه الأضعف وربما لأنه أكثرهم براءة من هذا كله الذي يحدث.
كنا نخاف على فاطمة من كثرة تنقلها أن تموت بأحد أحداث هذه الحرب التي أدمت الشعب السوري, لكنها ماتت بسلام بالتاكسي مع ابنها الصغير متجهة الى بيت ابنتها بجرمانا تاركة ابنها الصغير في وسط الطريق الذي لا أحد يعلم أين ستأخذه هذه الدنيا.....
رحلت فاطمة وبقيت الشام و بقيت المخيمات فارحموا ما بقي من الحب من أجل أطفالنا , الشام تبكي الجميع ولا تفقه في السياسة شيئا لكنها مثل فاطمة البسيطة تعبت حد الموت ,مثل فاطمة أحبائها متفرقين و نسوها ,أنعشوا الذاكرة من أجل ما تبقى لنا من الحب .
صوت فاطمة العالي صمت لكن صداه باللهجة الفلسطينية المخيمجية مازال يصدح : \" عزا ....ايمتى رح ترجع الشام زي أول ....ايمتى رح يرجع المخيم و يرجعوا أولادي و أخواتي و أهلي كلهم يلتموا ببيت واحد يوم الجمعة ...و يرجع سوق الخضرة و قصص الجيران... و يرجع العمر\" رحلت فاطمة و بقيت الشآم و مازال أولادها على كل الجبهات يموتون, الى متى ستصبر الشام الى متى ستصمد سيدتي الجميلة