تاريخ النشر: 2018-09-01 | 12:41
تاريخ النشر: 2018-09-01 | 12:41
تكتفي القيادة الرسمية الفلسطينية بالاشتباك مع صفقة ترامب إعلاميا .. خارج الميدان
قبل ترامب، أطلقت الإدارات الأميركية، التي واكبت عملية التسوية عناوين جاذبة ـ في الشكل ـ حرصاً على جذب القيادة الرسمية الفلسطينية إلى حلبة التفاوض. وبما أنها ترسمت راعياً وحيداً، أمل المفاوض الفلسطيني أن تتدخل عند كل عقدة في المفاوضات. وهذا حصل مرات كثيرة، ولكن لصالح الاحتلال.
كان يهم تلك الإدارات استمرار المشهد التفاوضي لأسباب كثيرة تخصها في السياستين الداخلية والخارجية. وسعت منذ انطلاق التسوية، وفق اتفاق أوسلو، إلى تثبيت الحالة الفلسطينية، ومنعها من«الارتداد» نحو «عصر الانتفاضة» الكبرى التي اندلعت في نهاية العام 1987.
ومنذ توقيع الاتفاق ، كان واضحاً أن مسار التسوية لا يمر من القدس، ولا يقترب من قيام دولة فلسطينية. وقبل ذلك، لا يعترف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها، بل يسعى إلى شطبه.
يمكن القول إن تدهور الأوضاع العربية والحروب الدامية التي اشتعلت في غير بلد عربي، ومعها تدهور الأوضاع الفلسطينية بفعل الانقسام والسياسات الخائبة، قد مكنا الولايات المتحدة من تبديل أسلوب تطبيق سياساتها الاستراتيجية في المنطقة. وانتقلت من سياسة «العصا والجزرة» إلى وضع الجميع أمام تطبيق متدرج لسياساتها في المنطقة والعالم أيضاً، ربطاً بالتنافس التناحري الذي نشأ بفعل التدخلات الدولية الواسعة في أوضاع المنطقة، التي سعى كل طرف لتعزيز نفوذه فيها.
ولم تعد الإدارة الأميركية والحال هكذا معنية بتشكيل تحالفات في المنطقة بالتكلفة السابقة، عندما كانت القضية الفلسطينية تفرض نفسها بقوة على أجندة النظام الرسمي العربي، وبالتالي لم تعد مضطرة للطلب من الاحتلال الإسرائيلي القيام بخطوات تجاه الجانب الفلسطيني تمكن عدد من الدول العربية من الانضمام إلى واشنطن في تحالفاتها ضد خصومها في المنطقة. بل على العكس، وجدت الإدارة الأميركية الحالية فرصتها في الهواجس المتزايدة عند عدد من الرسميات العربية كي توعز لها بالقيام بخطوات تطبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي ، الأمر الذي يؤكد أن واشنطن منذ أن رعت حصرياً عملية التسوية كانت تدرك أن أسس هذه التسوية تخدم الاعتبارات الأمنية والتوسعية الإسرائيلية، وأن المساحة الواسعة في تطابق المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية هي الأرضية التي تستند إليها واشنطن في سياساتها تجاه التسوية، وما يحصل اليوم هو تظهير هذا التطابق .. وبلا رتوش.
لقد كان الطرح الأميركي حول مستقبل مدينة القدس من الأسباب الأساسية التي أفشلت «قمة كامب ديفيد 2» صيف العام 2000.وفي جوهر المقترح الأميركي البحث عن عاصمة للدولة الفلسطينية في ضواحي المدينة. وعندما جاء ترامب واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل،لم يفعل سوى استخدام صلاحية أعطاه إياها الكونغرس الأميركي في القانون الذي أقره في العام 1995، أي بعد عام فقط من تشكيل السلطة الفلسطينية.
كما استخدم ترامب قوانين أميركية اتخذها الكونغرس منذ عقود تجاه شروط التمويل لعدد واسع من مؤسسات الأمم المتحدة كالأونروا واليونيسكو كي يقرر حجبها وتوجيه المساهمة فيها بشرط التزام هذه المؤسسات بالرؤية الأميركية، بما يعني فك ارتباط معلن ما بين واشنطن وقرارات الأمم المتحدة المؤسسة لهذه المؤسسات. وهو ماحصل تجاه الأونروا عندما تجرأت إدارة ترامب على إعطاء تعريف للاجئ الفلسطيني مغاير لما قررته الأمم المتحدة، وكذلك الأمر بخصوص تفويض الوكالة وارتباط قرار تأسيسها بالقرار 194 الذي يكفل حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، وأرادت الإدارة الأميركية تحويل متابعة أوضاعهم إلى مفوضية اللاجئين.
الأسلوب السابق للإدارات الأميركية في التعامل مع عناوين التسوية والتنويع ما بين الضغط والتشجيع مكن واشنطن من الحفاظ على مشهد التفاوض بحضور دول «المتابعة العربية». وتعامل المفاوض الفلسطيني مع هذا الأسلوب من زاوية تظهير خطاب التشجيع على حساب مؤشرات الضغط الممارس عليه، من أجل تسويق موقفه في التمسك بعملية التسوية بأسسها المجحفة، واستخدامه وقوداً لتأجيج رهانه على الدور الأميركي وتعميمه في الأوساط السياسية المقربة من السلطة وخيارها الوحيد .. التفاوض.
لذلك،أصيب المفاوض الفلسطينيين بالصدمة ثم الارتباك عندما أعلن ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ومن ثم عزمه نقل سفارة بلاده إليها. مرد الصدمة معروف كون القرارين اعتداء صارخ على الحقوق الفلسطينية، أما الارتباك، فلأن موقف ترامب هذا وتبنيه للاستيطان علنا قبل ذلك يلغي المعادلة الأميركية المعتادة في التعامل مع عناوين التسوية. وبذلك تنتفي ثنائية الضغط والتشجيع لتحل محلها لغة الأمر بالقبول والتنفيذ. وهذا يعني في الوقت نفسه نفاد الوقود الذي كان يؤجج الرهان على واشنطن ويسوق الوهم حول حل متوازن قادم على الطريق. والأهم من هذا كله أن رفض قرارات إدارة ترامب (وهذا أقل واجب) يضع بالضرورة القيادة الرسمية الفلسطينية أمام ضرورة الإجابة العملية على سؤال: ما العمل؟
على كل، أجاب المجلسان المركزي (الدورتان 27 ـ 28) والوطني (نهاية نيسان الماضي) على السؤال واتخذا عددا من القرارات التي تشكل بوصلة نحو العودة إلى البرنامج الوطني التحرري، الذي شكل اتفاق أوسلو انقلاباً عليه.. وبقيت الحلقة الأهم هي التزام القيادة الرسمية تنفيذ هذه القرارات، باعتبارها تمسك عملياً بكل مفاصل الاختصاص ذات الصلة بالتطبيق، وفي المقدمة قرار مغادرة أوسلو وقيوده السياسية والأمنية والاقتصادية، وكذلك بما يخص تفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وفي المقدمة محكمة الجنايات الدولية عبر التقدم المباشر بشكاوى نافذة ضد جرائم الاحتلال، وتقديم طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
حتى اليوم تخوض القيادة الرسمية الفلسطينية اشتباكها مع صفقة ترامب خارج الميدان، ولن تؤثر النبرة العالية في الاشتباك الإعلامي معها على مسار الخطوات العدوانية التي تمضي بها الإدارة الأميركية في مسعاها لتصفية الحقوق الفلسطينية. واستمرار هذا الوضع يشجع واشنطن على تسريع هذه الخطوات، ويمكن في الوقت نفسه حكومة نتنياهو من التغول أكثر في القتل والاستيطان والتهويد.
وفي ظل هذا كله، تتفاقم الأوضاع الفلسطينية وتسوء العلاقات الداخلية مع انتقال التفرد في القرار السياسي، إلى الاستفراد بالمؤسسات الوطنية، ما يؤدي إلى المزيد من تهميش منظمة التحرير الائتلافية في الوقت الذي قرر فيه الاجماع الوطني تعزيز دورها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وتطوير أوضاعها عبر انتخاب مجلسها الوطني الجديد وفق التمثيل النسبي الكامل.