تاريخ النشر: 2016-10-07 | 09:54
تاريخ النشر: 2016-10-07 | 09:54
برحيله، كما في حياته، حقق الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز ما يجعله يشعر بالانتصار، فقد عمل على إضعاف «أعدائه» منذ التحق بعصابة الهاغاناه الصهيونية، وكان مسؤولاً فيها عن الموارد البشرية وشراء العتاد لقتل الفلسطينيين وتهجيرهم، وما زالت دماء ضحايا مذبحة دير ياسين توقظ الصرخات التي خرقت آنذاك سقف السماء.
ولما اكتمل اغتصاب الأراضي الفلسطينية عام 1948، مضى بيريز في إضعاف أعدائه أكثر فأكثر، فكان التحالف مع بريطانيا وفرنسا عام 1956 لهزّ حكم الزعيم جمال عبدالناصر عبر السيطرة على قناة السويس.
ولم يشكّل له الإخفاق في موقعة السويس أي إحباط فقد مضى إلى «العمل الاستراتيجي» لتحصين دولة الكيان الصهيوني سياسياً وأمنياً، وعلى مستوى الردع، فكان البرنامج النووي الإسرائيلي الذي حسم التفوق العسكري لدولة الاحتلال، وجعلها حارسة الشرق الأوسط، وشرطيّة المنطقة.
وإن لا يذكر كثيرون دور بيريز في المذابح التي نُفذت ضد الناشطين الفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى، فإنّ أهالي الضحايا وأقرباءهم وأصدقاءهم لا ينسون. أفتنسى الضحية وجه قاتلها؟
ومن كان يظن أنّ بيريز «حمامة سلام» أو داعية للخير والعدل والتنمية، فهو مفارق للعقل والمنطق، ويكفي أن نذكّره بمجزرة قانا التي أخرجت الكاتب البريطاني روبرت فيسك عن صمته ولياقته، حين كتب في «الإندبندنت» عقب موت بيريز، أنّ الأخير ليس «صانع سلام» وأن موته ذكّره بـ «الدماء والنيران والمذابح».
تذكّر فيسك مذبحة قانا في جنوب لبنان عام 1996 التي راح ضحيتها 106 أشخاص معظمهم من الأطفال.
ويروي الكاتب الذي كان شاهداً على المذبحة، أنه عندما وصل إلى بوابات مخيم الأمم المتحدة كان الدم ينساب أنهاراً من الجثث وله رائحة، وكانت هناك أرجل وأذرع وأطفال بلا رؤوس، ورؤوس شيوخ بلا أجساد. وكانت هناك جثة لرجل مقسومة نصفين، ومعلقة على شجرة تحترق.
فعل بيريز ذلك كي يحظى برئاسة الوزراء بعد اغتيال سلفه إسحق رابين، لأنه كان يظن أن الناخبين يعشقون رائحة الدماء والأشلاء المتفحّمة. لكن هؤلاء خيّبوا ظنه، فيما بعد، وأسقطوه في حلبات عدة، لأنهم لا يثقون فيه. هم، ربما، يريدون قاتلاً بلا أقنعة، أو تسويغات، قاتلاً عارياً لا يذبح بيد، ويخفي بالأخرى خطاباً عن التنمية و«السلام»!
نجح بيريز في إضعاف خصومه وإنهاكهم إلى حد جعلهم يقبلون بمشاطرة المحتل جزءاً يسيراً منزوع السيادة من أرض أجدادهم وسط إغماضة كريهة لعيون التاريخ. وربما أنّ تلك الصورة ما منحه جائزة «نوبل للسلام»، وهي أكثر جوائز نوبل مدعاة لفقدان النزاهة.
مات «صانع السلام» بعدما عمّر طويلاً، وله في ذلك وصايا وتنظيرات، لكنّه، كما مزّق خصومه في حياته، فعل بعد رحيله، حيث تسابق القوم إلى المشاركة في تشييعه، ما جلب على المشيّعين النقمة الشعبية والإدانات. وتكفي إطلالة على مكتبة «يوتيوب» لتكوين فكرة عن حجم الاستياء والذهول والشماتة بالرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي داهمته التأتأة وقلة الحيلة وهو يبرر فعلته.
وما كان يظنه خصومُ بيريز من تماسك البنية السياسية لكياناتهم وشخوصهم، تهدّم في لحظة التشييع التي يرجّح أن بيريز قهقه ملء قلبه فرحاً بها، ونام ليلته الأبدية بـ «سلام»!
عن الحياة اللندنية