قبل أن تتناول آرية العينين بأناملها الصغيرة كوب الحليب من يد جدتها الكنعانية نترتها فراشة اللوز برفق تحت الدرج بجناحها النورانى وقلبت بشرة جنا أفريكانو.وتسلل لسان لين من بين شفتيها القرمزيتين يتلمس نسمة حياة تائهة تحت الركام بعد أن باغتها صاروخ زنة خمسة اّلاف باوند خلع بيوتنا من شروشها حاصداً إثنين وعشرين شهيداً وعشرات الجرحى،ليسوا أكثر من أضرار جانبية حسب ثرثرات روما الجديدة.
إنتفض جسدى من إغفاءة كاذبة من هول انفجار يصم الآذان،مددت يداى على الحائط أتحسس باب غرفتى فلم أجده على وقع زخات ركام يحبس الأنفاس،فإرتدت قدماى سريعاً نحو الشباك،وإذا بهبو ساخن مغثى يلفحنى،قفزت بإتجاه الباب وأمسكت بأذنه وشلعتها.وما أن وطأت قدمى عتبته حتى رأيت أكوام الحجارة وأحشاء المطبخ أمامى وقد إتشحت جدراننا الزاهية بالسواد وأثخنت بالجراح على أنوار كهارب بيد الصغار صاعدين من تحت بفزع..طار ذهنى سريعاً لمسح مايدور حوله بخطا وئيدة أشبه بروبوت يرى ويسمع ويخزن بلا خوف وألم ولاحزن:يا لها من ضربة ركنية ذئبيتها المحكمة أخفقت بخطف أيقونة الحالمين.لم يدر بخلد الصغار حين طلبت منهم مغادرة غرفتى والنزول تحت قبيل الإنفجار أن ساعة الصفر قد دقت قبل قليل بعد أسابيع من تحضير مسرح كسر العظم بهدوء وإعداد كومبارسه بعناية فائقة..شد ذهنى من علياه صوت أختى يلهج بالشهادتين يودع الحياة بذعر متسارع،هممت برفع الركام عنها وبحركة عفوية إلتفت نحو أمى المقعدة فرأيت غبار البارود يغطيها وبعض الحصى الصغيرة فوق سريرها.يالها من لحظات مريعة أن تفاضل بين أعز الأحبة،أن تبدأ بإنقاذ ست الحبايب أم أخت توهج أملها بنشوة الحياة ما أن شعرت أخيها حياً بجانبها.فما أن رفعت أول حجر عن وجهها ورأت النور حتى إنتبه سفيان لأنين يامن طار جسده الغض مخترقاً جدارنا وهوى تحت الركام بجوار أختى فأسرعت يدا سفيان ترفع عنه الركام بلهفة ظناً منه بأنها إبنته أريج لأنها لم تسمع الكلام وتنزل عنده تحت حيث أكثر أمان بل توارت خلسة بجانب سرير جدتها تلهوا بالجوال حتى غلبها النعاس ولم تصحوا إلا على صوت عمود خرسانى هوى بجانبها فقفزت هاربة من شدة الخوف..أنّا للصغيرة أن تعرف أن برائتها الزكية إكسير أضغاث يهوشواع وأن ضباع ليلة الحسم الطائرة تحوم من فوقها ولعاب السائرة يتحفز من تحتها لإفتراس إشراقة غدها الباسم..وقبل إنتشال يامن جاءنا إبنه محمد حاملاً جنا جذبه شعاع عيناها الزرقاوين كالقطط وسط الظلام تحت الدرج يعمّد جبينها بقعة دم مثل عروس هندوصومالية.إنتعش قلبى وهو يرى أفريكانوها الجميل يهزم وحش الموت،ماأجمل أن ترى الحياة تفلت من بين فكى خمبابا..نقلوا جنا ويامن وأختى وأمى للإسعاف ونزلت حيث كان الأطفال نيام فوجدت طبقات سميكة من الغبار تملأ الأغطية والفراش وتوقفت عينى على النافذة حاتم دبك شبكها ونط لفتح الباب بعد أن أطبق عليهم من شدة الإنفجار الذى لم يسمعوه ولم يعرفوا كيف وجدوا أنفسهم واقفين فهو الوحيد الذى تحرك ذهنه سريعاً وأدرك ماحدث حيث كان يخرج ليلاً بعيداً عن عيون أمه وأبيه ليتنقل مع رفاقه من قصف لإنقاذ وإسعاف الجرحى ويعود عندى قبل السحور متظاهراً بالتدخين والنوم عندى ولكن سفيان كان يشك بذلك ويغرش حتى لا تنجلط أختى فقلت له دعه يخرج ليشتد عوده بلاش يطلع ولد هامل بيخاف من خياله فالأعمار بيد الله وليس بيد الفانتوم..فتحت الخزانة وتزنرت بمسدسى على عجل وسحبت اللابتوب وأردت الخروج لولا أن ترامى لسمعى دق عنيف على الباب الخلفى هرولت لفتح الباب وصدق حدسى صاح كفاح:وين أنور وين لينا ناموا فوق ولآ تحت ؟ مش عارف مش عارف مش عندك بالأبراج..جاء من بيته بالنصيرات منتصف الليل مشياً كالبرق فلا يجارى خفه النحيل أحد بالمشى السريع وسط الحقول لامبالياً بإنفجارات قذائف الدبابات والطائرات من حوله قالباً ظهر المجن لأصحابه..وإتجه ليساعد الجيران والدفاع المدنى برفع الأنقاض ومن خلفه إستدرت صوب الشارع وجلست بعيداً حتى لا أرى جثامين المغدورين للإحتفاظ باّخر إبتسامات صورهم الجميلة بالعيد.لم أكن أتخيل أن إبتسامات عمى وأنور وأحمد وجبر وفضل وأنوار وعائشة ودينا وقبلات لينا ولين وسلمى وحلا وسما ستكون اللقاء الأخير ومعراج ياسمينها سيكون بعد قليل.صورة لين وهى تهز خصرها لأحمد مستنكراً:لا ياخويه هذا مش مينى جب هذا بوكسر إسلامى.صورة أباها أنور ملك المقالب بإبتسامته العريضة وهو يوزع السفن أب على وسام وجبر وأسعد ويدندن لأحمد:والله هادى آخر عشرة شيكل من قبضة عمك أبومازن قبل إستشهادهم بلحظات.صورة أحمد وهو يضرب قدمه بالشاكوش حتى لا يشارك بقمع المصلين بالعراء و و و صور كوميديا المعركة وتراجيديا الإنتصار..
لست شاعرياً فلم أشعر باّدميتى أتألم وأحزن وأخاف إلا عندما سمعت أن سلمى لازالت على قيد الحياة ففرت دمعتى فرحاً وترحاً فى اّن شكرا للرب أن منحنى دقيقة أكون إنسان لوداع سلمى.. فإحساسى الوردى تبخرت غمامته حين سقط حلم دراجتى الصغيرة مدرجاً برصاصة أبى عن حسن نية طلت بعيناها التوتنوآرية على شاشة الأقصى تصيح كالصقر:مش مهم اللى ماتوا اللى ضل بيسد المهم ننجح بتحقيق أهدافنا..فهو عسكرى مر وناصرى عنيد لم أرى طيلة حياتى دموعه إلا يوم رحيل عرفات..فهل تعتقد أن دموع الرحيل ستغفر لك قتل سلمى مرتين يابن روما القاتلة؟!مرة بأنياب صاروخ لوكهيد،ومرة بسرقة إسوارة عيدها الدامى..
فور وقف النار توقفت سيارتَى جيب ترفع شارة الصليب الأحمر عندما كنت أقوم بتنظيف بعض الركام بجانب الجدار.وترجلت حسناء فى ريعان جمالها الآرى تدعى أنها جاءت للوقوف على فظاعة الجريمة وتقديم العون ومواساتنا بمصابنا الجلل.ولايملك أربعينى عانس مثلى إلا أن يسارع بتقديم طقوس الحفاوة لست الحسن وجمال يخفى خلف هدوئه قلق غير برئ..قفزت الحسناء بخفة من تحت الجدار المهدوم داخل الغرفة ومدت يدها تصافحنى بملامح شبه حزينة،صافحتها ببرود وأجلستها على الأريكة..قالت أن هناك خبير متفجرات معها لفحص موقع الإنفجار،فأعطيته جزء من الصاروخ منقوش عليه رقمه التسلسلى وبعض الأحرف فلم يعيره أدنى أهمية وعندما جئته بإسوارة الصاروخ إلتقطها بسرعة كأنه وجد ضالته فطلبت من مترجمه أن يسأله عن نوع الصاروخ،برطم الخبير متظاهراً بأنه لم يسمع سؤالى وصار يشبّر بيديه ويشير هنا وهناك،تركته لإحضار شراب الضيافة..وضعت الشراب وناديت على الخبير ومن معه ليشربوا فقالوا أنه غادر..صعد الدم لأرنبة أنفى لكن كظمت غيظى..كانت الحسناء ترصد تعبيرات وجهى بقلق يتوجس خيفة إكفهرارى قلت لها بالعربى:تفضلى إشربى.رفعت يدها بإيماءة شكر معتذرة عن الشرب.صحت بها بحدة:تخافيش إشربى.إلتقطت شرابها وجغبت بسرعة كقروية لا تأبه بمخمليات الإيتيكيت الاّرى..بعد أن إنتهت من تسجيل بيانات الضحايا والجرحى أخبرتها بأن هناك جرحى من الجيران قالت لاداعى جئنا لعائلتكم لأن فيها العدد الأكبر من الضحايا والجرحى نفس رد مندوب الأورومتوسطى لحقوق الإنسان.وماذا بشأن الجرحى الاّخرين أليسوا بشر يتألمون وبحاجة لمساعدة أم يبحثون عن الكيف وليس لكم؟!!..ثم طلبت حسناء روما رؤية عمتى التى فقدت كل ذريتها،أخذتها لعمتى وصافحتها بحمائمية بلاستيك وقبلات فوتوشوب ثم إلتفتت نحو أمى تقبلها.إستأنست أمى بلكنتها المدنية وملامحها فسألتها عن مسقط رأسها ظناً بأنها من بلدتها اللد ولم تشعر أنها تسأل روبوت قاتل،قلت لها ضاحكاً:ضيفتك من النرويج..رمقتنى بإنتباهة نصف دائرية أشبه بإنتباهة اللبوة يبدو أنها لقطت ذبذبة قرين مشاعرها القاتلة..وقبل أن تغادر توقفت عند مدخل الدرج الذهبى وإستأذنت روبوتياً لإستخدام جهاز الجى بى أس لتحديد مركز الإنفجار عبر الأقمار الصناعية!..كان بإمكانها تحديد المركز من أى نقطة بالشارع،ولكن لماذا إختارت هذه النقطة بالذات؟! واصح أنها تعرف بدقة ماذا تريد فهذه النقطة خاصة بأهم تساؤلات سلاح الهندسة ولا علاقة لها ببيانات الأنشطة الإنسانية.فقد كان مقرراً لهذا البيت أن يسجد على رؤوسنا كونه فى قلب دائرة التدمير من حيث أنه لايبعد عن مركز الإنفجار أكثر من سبعة أمتار فماذا حدث؟!..وبعد أن غادرتنا الحسناء بساعات إنهارت تهدئة الـ 24 ساعة تمديد قبل إنقضائها وإنجرف يعلون يرفس الأبراج بإرتباك هستيرى،فطار قائد الجيوش الأمريكية جون اّلن إلى تلابيب:ستوب فاير ستيوبد..
قبل مجيئ الحسناء بيومين وبينما كنت فوق سطح البيت أساعد فنى الأطباق بإصلاح الدش نادانى الجار،وإذ بجيب يرفع شارة الأنروا..نزلت إليهم وقبل وصولى بأمتار تفاجأت بمصور يقف جانباً بكاميرا تلفزيوية فوق كتفه يلتقط صورة عامة لمكان الإنفجار بحرفية عالية،وقفته المنضبطة وكاميرته المتزنة وضبط البعد البؤرى برتابة بيده يقول ذلك.إرتفعت يدى تلقائياً لتخفى وجهى وبالأخرى طلبت منه أن يبعد عنى الكاميرا..تقدم نحوى عربى معهم مصافحاً إستهل ديباجته بالسؤال عن أخى كفاح فأعطيت ظهرى للكاميرا وأخبرته بأنه غير موجود فطلب أن يجرى معى لقاء تلفزيونى فإعتذرت له بدماثة.إستنكر إمتناعى وحاول إفحامى بضرورة اللقاء لنقل معاناتنا للعالم ضحكت من سطحيته،مبيناً أنى أتحدث عن نفسى فقط.فإن أراد أحد من العائلة الحديث معك فلا مانع لدى..حسناً إسألهم عندها تقدم من خلفى حامل الكاميرا مصافحاً وهيئته ممسكاً بالكاميرا أسفل صدره أشبه بهيئة ضابط جفعاتى ممسكاً بندقية إم16 ثم تلاه مصافحاً رجل حليق الرأس طويل القامة عريض المنكبين مفتول القوام تشعر من وقفته ومصافحته بأنه قائد كوماندوز بالجيش الأمريكى..وافقت أختى على إجراء الحوار وحين عدت لإدخالهم البيت وجدت المصور قد إنتقل لمكان آخر يلتقط منه صورة طويلة للمكان ثم مكاناً للصورة المتوسطة ثم إنتقى مكاناً دقيقاً للصورة القصيرة والمفاجئ أنه وجه الكاميرا من مكان القصيرة بنعومة لأعلى قليلاً وبدأ بتحريك الضبط البؤرى يدوياً لإلتقاط صور البى سى يو والماكرو الخاصة بالثقوب الصغيرة وخطوط التصدعات بجدار البيت المواجه للانفجار ولم يلتقط أى صورة منخفضة الخاصة بسيريالية المشهد لإبراز ملامح الفجيعة التى ألمت بنا.تظاهرت بأنى عربى ضحكت من جهله الأمم ولايعلم أنى مخرج تلفزيونى وكل صوره منذ اللقطة العامة حتى المايكرو لاعلاقة لها بمأساة العائلة..
هل هؤلاء مندوبى صليب وإغاثة إنسانية أم خبراء بشركة لوكهيد جاؤوا لمعرفة خفايا إخفاق فخر صناعتهم بتدمير هدفه كاملاً وسرقة إسوارته خشية أن نرفع دعوة قضائية مطالبين بتعويض ونحلم بملايين لوكربى؟ إطمئنوا،لسنا بحاجة لدولارات لوكهيد فهى لا تساوى رشفة ماء طلبها ولم يفز بها فضل قبل أن يغادرنا إلى أعالى الكوثر..
دخلت الغرفة لربط السلك فسمعت أم محمد تتحدث للكاميرا بعصاب شعبوى فقلت لها هدّى هدّى وتذكريش أسامى لتقديم رسالة إيجابية للمتلقى.نط العربى:سيبها سيبها تحكى اللى بنفسها..يبدو أنه مفتون بديكة الإتجاه المتعاكس..بعد قليل وكعادة العجائز همست الصغيرة أسيل بأذنى:الزلمة الأصلع معاه مسدس! تباً لى،كيف أذنت له بدخول البيت قبل تمشيط قده المياس بذهنى الغارق برصد حركات كاميرا المحترف.
عند مراجعة الصليب لإستعادة الإسوارة التى تحدد هوية صاروخ لوكهيد المحرم دولياً أو يسلمنا سند بأنه تسلم الإسوارة منا أو سند بعدم إستلامها. فقال الموظف متقعراً:الصليب لايعطى سندات بالإستلام ولا سندات بعدم الإستلام..أما النكتة فهى قول الصليب ببقاحة بأن الإسوارة هى من ممتلكات الشعب الفلسطينى..لا بالمرة ايش رايك توخذ زكاة الصاروخ وفرق عملة إنتصارنا كمان؟!..
حتى مناديب إعلامنا إستقبلناهم بقيافة وترحاب جريح وأجروا اللقاءات مع الثكالى والمفجوعين ولم نطلب منهم غير نسخة من هذه اللقاءات ومشاهد الجريمة للإحتفاظ بها كذكرى،فلم نجد منهم غير المراوغة والتسويف وكأننا نتوسل أبسط حقوقنا ويتجملوا ببث بكائياتنا لثوانى..ويمنّوا على ثكلانا بالكابونة ويتصدقوا على أيتامنا بفخذ سخل من فصيلة القطط مع صورة وإلا لن تظفر جنا بفخذ بس تايلاندى بيحسبوه عليها فخذ كبش هولاندى ليطمئن المحسن الكبير برا أن دعمه العينى والمالى يصل كاملاً للأيتام ولا يدرى أن الأيتام ما بيشوفوا من الجمل غير دانه..ايش هالمسخرة وقلة الحيا قلت لحامل ورك البس لوا بوزه وغار هو والورك والمصوراتى.لن أنسى أنور وهو يدعُ ربه إن كتب عليه الموت أن يأخذ معه أطفاله لألا يصبحوا أيتام على موائد هؤلاء اللئام..بل سألنى مندوب حقوق الإنسان بسذاجة:"بينى وبينك كان فى شخص مطلوب هين وقت التفجير وشرد؟!
يالصباحات سلمى الباسمة وتأتآت قبلاتها الشذية وتجلس تشاطرنى لقيمات الزيت والزعتر مع رشفات الشاى،بعد أن أصب لها قليلاً منه وأملأ باقى كوبها ماء حتى لا يضعف دمها موهماً لثغتها أنى أقوم بتبريد الشاى لها..لن تصفح عنقاء كنعانك عن نيرون الجديد مابقى الزيت والزعتر فالحضارات لا تصنع باللسان ياأميرتى الصغيرة..