تاريخ النشر: 2017-05-13 | 10:52
تاريخ النشر: 2017-05-13 | 10:52
بدأ التلفزيون الإسرائيلي أول بث رسمي له قبل 49 عاما وتحديدا في مايو من العام 1968، وكان البرنامج الأول الذي قدمه هذا التلفزيون هو نقل مباشر للاستعراض العسكري للجيش الإسرائيلي في يوم ذكرى "استقلال إسرائيل" والذي جرى في شوارع القدس المحتلة.
قبل ذلك التاريخ، حاول دافيد بن غوريون أحد مؤسسي دولة إسرائيل، جاهدا أن يمنع البث التلفزيوني في إسرائيل، وذهب به الحال أن يشبهه آنذاك بالجن، ولم يوافق عليه إلا بعد ضغط وإقناع من مقربيه بحجج كثيرة، كان أكثرها إقناعا أن البث ضروري لأمن الدولة العبرية .
ومنذ صدور قرار بإنشاء تلفزيون اسرائيل وحتى يومنا الحاضر تستمر الصراعات العلنية والسرية بين السياسيين في إسرائيل لفرض الهيمنة الشخصية والحزبية على هذا المنبر المهم . و كانت بدايات معارك السيطرة على السلاح الجديد بين محور دافيد بن غوريون من جهة، ومحور ليفي اشكول من جهة أخرى.
ومع إسدال الستار رسميا على سلطة البث الإسرائيلية التي تبث ب14 لغة من بينها العربية (القناة التلفزيونية الأولى والإذاعات التابعة للسلطة ) بسبب الصراع الذي دار بين رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير المالية موشيه كحلون، وهدد بخلق أزمة ائتلافية داخل الكيان، كادت أن تعجل بحل الائتلاف الحكومي في إسرائيل.
الهدف الرسمي المعلن من قبل وزير المالية كحلون لإغلاق سلطة البث وتصريف نصف العاملين فيها والذي يفوق الألف بقليل ،هو إجراء إصلاحات وإعادة هيكلتها لتستطيع أن تنافس القنوات الاسرائيلية الخاصة، وسيكون ذلك تحت مسمى جديد يعرف بـ "هيئة البث العامة"، ولكن الهدف الخفي هو الصراع الشخصي والحزبي بين كحلون ونتنياهو، حيث يحاول الأخير جاهدا تطويع ما يستطيع من وسائل الإعلام تحت إمرته، وبموجب اتفاق الائتلاف الحكومي في مايو 2015، فإن نتانياهو يملك الحق في الاعتراض على كل القضايا المتصلة بالإعلام.
وضمن لوحة سريالية يرسمها بنيامين نتنياهو بريشة السياسي الماكر.. الذي نادى خلال حملته الانتخابية بإجراء إصلاحات كبيرة في سلطة البث، واصفا إياها بالمريضة تارة وباليسارية تارة أخرى، حاول تأجيل قرار الوزير كحلون لغاية في نفس يعقوب، فقد أراد بداية أن يتنصل من مسؤولية فصل ما يزيد عن 500 عامل في المحطة، وثانيا هي الأقاويل التي تفيد أن أرنون موزس، مالك مجموعة يديعوت احرونوت، ويعد أحد أعداء نتنياهو، ومن قادة الحملة الإعلامية ضد سارة نتنياهو ، يملك سيطرة كبيرة على هيئة البث العامة الجديدة .
الواقع الإعلامي الإسرائيلي الرسمي والخطوط العامة للسياسية الإعلامية اتجاه الفلسطينيين خاصة والعرب عامة لن تتأثر كثيرا بهذه التغيرات في هيكلة الإعلام الرسمي في إسرائيل، فليس هناك في الأفق ما يبشر بخير،، طالما الغربان ما تزال تنعق باسم الحكومة، وستكون هيئة البث العامة الجديدة مجندة بشكل كامل خلف القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل للدفاع عن الانتهاكات والتجاوزات الإسرائيلية سواء في حالة السلم أو الحرب، وسيبقى الإعلام العبري مرهونا بشكل كامل لرواية الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي معتبرا إياه المصدر الوحيد لمعلوماته، ومما تحمله الذاكرة من عدائية الإعلام الاسرائيلي لكل ما هو فلسطيني، ويسجل له في الحروب جميعها التي شنها المحتل على الدول العربية أو على الضفة والقطاع، وقف الإعلام الرسمي العبري كفرقة عسكرية مساندة بجانب جيش الاحتلال، فخلال اجتياح لبنان في العام 1982 كان صوت إذاعة إسرائيل باللغة العربية يقوم بمهمة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، حيث بث نداءات للفدائيين الفلسطينيين لمطالبتهم بالاستسلام وإلقاء السلاح .
وأذكر خلال الحرب الاسرائيلية على غزة في العام 2014، أن أحد الزملاء من محرري الصحف في فلسطين المحتلة 48، قال لي، إنه لا توجد الكثير من الفروقات بين بيانات الناطق باسم الجيش الاسرائيلي ورسالة مراسل القناة الأولى الاسرائيلية . وأثناء الحرب ذاتها سمع أهل غزة نداءات صادرة عن إذاعة صوت اسرائيل باللغة العربية تطالب السكان بالنزوح من منازلهم. فقد تحولت الإذاعة إلى بوق يؤجج حمم النار التي تصب فوق رؤوس المدنيين في غزة.
ومما يريح القلب ويصفى العقل من سموم الإعلام المعادي لنا، أن بث الإذاعة الاسرائيلية الناطقة بالعربية أضحى لا يلتقط بشكل جيد في مناطق كثيرة خاصة في قطاع غزة خاصة بعد وجود عدد لا بأس به من الإذاعات الفلسطينية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وعدد كبير من سكان فلسطين لا يجيدون التحدث باللغة العبرية لكي يستقوا مصادر أخبارهم من القنوات العبرية ، والقناة الفضائية التي تبث باللغة العربية أثبتت فشلها الذريع، وحتى الأخبار التي تتم ترجمتها عن العبرية غالبا ما تكون مترجمة عن القنوات والصحف والمواقع العبرية غير الحكومية.
على الصعيد الداخلي الإسرائيلي وعلى الرغم من قوة الإعلام الرسمي، إلا أنه لا يملك الشراسة والحصريات الإعلامية التي تملكها بعض الصحف أو بعض القنوات الخاصة، وستبقى القضايا الكبيرة التي تنبش في خبايا المجتمع الاسرائيلي، مثل قضايا الفساد والرشاوي والتحرش الجنسي هي قضايا محصورة في الإعلام الخاص.