أثار القرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة بإحالة مدير المخابرات الفريق محمد مدين، إلى التقاعد يوم الأحد 13 أيلول الجاري، بعد ربع قرن على رأس الجهاز، تعليقات معظم الصحف الجزائرية بين وصف الأمر بـ «الزلزال السياسي»، و «نهاية الأسطورة»، و «القرار التاريخي»، وأن رئيس البلاد بسط سيطرته على مؤسسة الجيش. وكان بيان للرئاسة الجزائرية قد أكد «أن رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أحال مهام قائد إدارة الاستعلامات والأمن (المخابرات)، الفريق محمد مدين إلى التقاعد، وعين مكانه اللواء بشير طرطاق، وهو مستشار الرئيس للشؤون الأمنية على رأس المخابرات».
ويعتبر توفيق مدين الرجل القوي في الجزائر (76 سنة)، وقد استلم رئاسة جهاز المخابرات منذ 1990، وهو رجل يوصف بـ «الخفي» حيث لا يظهر على الإعلام أو في المناسبات الرسمية، حتى أن معظم الجزائريين لا يعرفون شكله، بما في ذلك وسائل الإعلام التي لا تملك صوراً له سوى واحدة أو اثنتين سربتا عبر الإنترنت. ويُعدّ مدين، بحسب الصحف والمراقبين في الجزائر، أكثر ضباط المؤسسة العسكرية نفوذاً في البلاد خلال العقدين الماضيين، حيث شهد قيادة 4 رؤساء للبلاد، وكذا 10 رؤساء حكومات، وعشرات الوزراء.
واندلع الخلاف بين الرئيس بوتفليقة والجنرال توفيق قُبَيْلَ موعد الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت في 17 نيسان 2014، إذ فجر الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني» الحاكم في الجزائر عمار سعيداني قنبلة كبيرة في المشهد السياسي الجزائري آنذاك، بقوله: «إن المخابرات الجزائرية تسعى لتلطيخ سمعة المحيطين بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة لمنعه من الترشح لولاية رابعة»، داعيًا رئيس جهاز المخابرات محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق مدين إلى الرحيل. وقال سعيداني إن «الجنرال توفيق فشل في ضمان أمن الرئيس بوضياف سابقا (اغتيل في حزيران 1992)، كما أنه يقف وراء عدد من العمليات الانقلابية، من قبيل دفع اليمين زروال إلى الاستقالة (1998) وتوظيف ملف فضيحة الخليفة». كما اتهم سعيداني «عقداء المخابرات وبأمر من الجنرال توفيق بالوقوف وراء زعزعة استقرار حزب جبهة التحرير» وهو حزب الرئيس بوتفليقة الذي شهد صراعات منذ سنتين على الأقل. واحتدم الصراع منذ آب 2013 عندما أصبح سعيداني أمينًا عامًا.
حينئذ، اعتقد المحللون الجزائريون، أن تصريحات سعيداني النارية ضد الر جل القوي في المخابرات العسكرية الجزائرية، كانت تستهدف نقل معركة كسر العظام من داخل الغرفة السوداء إلى العلن، فضلاً عن تسويق الصراع خارجياً على أنه معركة حكم مدني ضد حكم عسكري. واعتقد الباحث الجزائري حسني عبيدي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة «هو المسؤول عن تعثر الوطن وليس المؤسسة الأمنية». ورأى أن هجوم عمار سعداني الحاد على الجنرال توفيق مدين، «يعكس مدى التشنج وانعدام الأفق السياسي في الجزائر»، وقال إن «الدولة المدنية التي يُرَافِعُ لأجلها الأمين العام لحزب جبهة التحرير، تأتي عبر احترام الدستور، وبإصلاحات حقيقية وليس بالإفراط في الغزل لفائدة شخص». وتساءل إن كان بوتفليقة يبحث عن إزاحة «توفيق» ليضمن عدم الملاحقة بعد رحيله عن الحكم.
فالرئيس بوتفليقة الذي وصل إلى رئاسة الدولة في تشرين الأول 1999 بوساطة العسكر (الانتخابات الشعبية كانت شكلية) بدأ منذ الأسابيع الأولى لتوليه رئاسة الجزائر في فتح بعض الملفات المقفلة التي طال انتظار فتحها. وكانت تجربة التعايش بين الرئيس الجديد و «المقررين» داخل الجيش، يشوبها التوتر، بسبب تنازع الصلاحيات، خلال فترة ولايته الأولى بين عامي 1999 و2004. لكن خلال الولاية الثانية، قرر الرئيس بوتفليقة أن يحوّل الجيش الجزائري إلى جيش محترف، بما يجعل المؤسسة العسكرية خاضعة بالكامل لسلطة الرئيس، فاستمر في ضرب القمة داخل وزارة الدفاع، بصفته وزيراً للدفاع وقائداً أعلى للقوات المسلحة، عندما أنهى خدمات جميع الضباط الكبار الذين بلغوا الستين من عمرهم، ليستفيدوا من قانون المعاشات الذي وضعه الجنرال إمبارك.
كما بادر الرئيس بوتفليقة إلى تحريك ملف الهدنة بين الجيش الجزائري وتنظيم «الجيش الإسلامي للإنقاذ»، وفتح ملف الفساد، وأطال الحديث في ضرورة مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة التي وصفها بأنها صنو الإرهاب. وهاجم شبكات المافيا المالية والسياسية المحلية من جنرالات الجيش والمخابرات في موانئ البلاد، والتي اعتبرها سبب خراب الجزائر، وخواء خزائنها. وجاب أنحاء البلاد مشرقا ومغربا، مشنعًا على الفساد والمفسدين، ومن يرعاهم من السياسيين وجنرالات العسكر النافذين.
من هنا، كانت الجزائر تشهد من حين لآخر بروز صراعات على السطح بين مجموعة الجنرالات والرئيس بوتقليقة، وهي صراعات قوية للغاية، تحدث اهتزازات مكشوفة ومعلنة داخل النظام. وقد رأينا في الفترة الماضية حين دخل جناح الجنرالات في صراع قوي مع بوتفليقة ومن يدعمه من العسكر، كيف أن جناح المخابرات والجيش اتهم بوتفليقة عن طريق جرائده وأحزابه التي يرعاها هذا الجناح، بأنه أخفق إخفاقا ذريعاً وأن عليه أن يرحل. وهناك أدلة على وجود الصراع بين مجموعة الجنرالات وبوتفليقة، ومنها الجرائد الاستئصالية التي يقف وراء كل واحد منها جنرال، وهي لا تستطيع أن تذهب في تهجماتها على بوتفليقة، والتي بلغت مبالغ عظيمة في القدح والنقد والتهجم، إلا إذا كانت قد أعطيت الضوء الأخضر من قيادات المخابرات والجيش.
ولم تشهد الجزائر منذ استقلالها دخولا مرتفعة في عائداتها النفطية كالتي دخلتها في العقد الماضي. فنتيجة ارتفاع أسعار النفط، دخل إلى خزينة الدولة أكثر من 150 مليار دولار. وبرغم ذلك، فإن هذه الأموال لم تفلح في إنقاذ الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي انتشر فيه الفقر انتشارا مخيفا. إذ تفيد تقارير رسمية أن عدد الفقراء في الجزائر يقدر بنحو 12 مليون شخص وهو ما يعادل 40 في المئة من إجمالي السكان. فالدولة لديها الأموال، لكنها لا تستثمر أبداً، ومشاريع الخصخصة تراوح مكانها، ورؤوس الأموال الأجنبية غير موجودة، باستثناء تلك المستثمرة في استغلال حقول النفط والغاز.
تسود في الجزائر قراءتان لما يجري داخل المؤسسة الأمنية، الأولى تقول إن الرئيس بوتفليقة يجري تعديلات عادية كانت مقررة منذ سنوات وترمي إلى إعادة هيكلة جهاز المخابرات، والثانية أن هذه التغييرات تأتي في سياق صراع بين مؤسستي الرئاسة والمخابرات، يبحث فيه كل طرف زيادة نفوذه داخل النظام على حساب الآخر. ويأتي إنهاء مهام الجنرال توفيق تتويجاً لسلسلة من التغييرات التي مسّت المؤسّسة العسكريّة، ولا سيما المؤسسة الأمنيّة. حتى إن لم يتم الإعلان رسميًّا عن هذه التغييرات، فقد تمّ تداولها على نطاق إعلامي واسع، وفُسرت كإنهاء للأدوار المتعاظمة للمؤسسة الأمنية. وبإزاحة الجنرال توفيق، ينتقل مركز صناعة القرار بصفة نهائية إلى مؤسسة الرئاسة في عهد رئيس أعلن غداة وصوله إلى قصر المرادية (تسمية تطلق على مبنى الرئاسة)، أنه يرفض أن يكون «ثلاثة أرباع رئيس»، ردّاً على سؤال حول «خطوط حمر» رسمها الجنرالات الذين أوصلوه إلى السلطة بعد استقالة الرئيس اليمين زروال. وبالفعل، فقد تمرّد الرئيس بوتفليقة على تقاليد ترسخت منذ استقلال الجزائر، وتمثلت في هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية إلى درجة أنها أوكلت لنفسها مهمة صناعة الرؤساء. ويُعدّ الجنرال محمد مدين آخر قيادات الجيش التي لعبت هذه الأدوار.
ويتساءل الجزائريون من سياسيين ومثقفين وإعلاميين، كيف يمكن إنهاء وإقالة الرجل الأقوى في الجزائر من منصبه كرئيس جهاز المخابرات عمّر فيه ربع قرن من الزمن، من قبل رئيس يتساءل الجميع حول قدراته الصحية في قيادة البلاد، في إشارة إلى الرئيس بوتفليقة، والذي تعرض لجلطة دماغية العام 2013، أفقدته القدرة على الحركة، وجعلته على كرسي متحرك. وبرغم أن المعطيات السياسية في الجزائر تشير الى أن قرار إحالة قائد المخابرات إلى التقاعد جاء ضمن سلسلة تغييرات أجراها بوتفليقة منذ العام 2013 داخل المؤسسة العسكرية في البلاد، لإعادة هيكلة للجيش في إطار تجسيد مبدأ الاحترافية، فإن العديد من المحللين الجزائريين يرون أن هذه الإقالة جاءت لإضعاف قائد جهاز المخابرات، إذ مسّت هذه التغييرات بالدرجة الأولى جهازي الأمن الداخلي والخارجي والأمن الرئاسي المرتبطين بجهاز المخابرات. كما تم في نهاية آب الماضي سجن القائد السابق لجهاز مكافحة الإرهاب في المخابرات، وإنهاء مهام مقربين منه، كالجنرال عبد القادر آيت أو عرابي، وأُحِيل إلى القضاء العسكري بحسب صحف محلية، من دون الكشف عن التهم الموجهة إليه رسميًا، وحولت إدارة أجهزة ومصالح كانت تابعة للمخابرات إلى قيادة الأركان، كما تم تغيير كل من قائدي الحرس الجمهوري وجهاز الدرك الوطني.
وبعد سيطرة الرئيس بوتفليقة والمقربين منه بالكامل على الجيش والمخابرات إثر إقالة الجنرال توفيق، أصبح الطريق مفتوحاً أمام الرئيس الجزائري بوتفليقة من أجل تنظيم خلافته. ومن المؤكد أن مرحلة ما بعد بوتفليقة ليست بعيدة، حتى وإن كان معسكره وعلى رأسهم شقيقه الأصغر السعيد يسيطر حالياً على كل مقاليد الحكم في غياب من كان يوصف بـ «سيد الجزائر». فبعد 16 سنة من الحكم، ها هو الرئيس بوتفليقة المنهك بفعل المرض، ينتقل إلى البحث عن خلافته، بل إن بوتفليقة بحسب رأي الخبراء الجزائريين، يُحَضِّرُ نفسه لترك السلطة مع إشرافه على خلافته من خلال سيناريو محكم هو الآن بصدد تنفيذه، يتضمن تحويل جهاز المخابرات إلى «قوقعة خاوية» منذ 2013، بعد نزع صلاحيات واسعة منه وإسنادها إلى رئيس أركان الجيش الفريق قايد صالح، الذي عينه بوتفليقة بعد إقالة الفريق محمد العماري في سنة 2004، لأنه وقف ضد الولاية الثانية لرئيس الجمهورية.
في اختصار، يمكن القول إن إقالة الجنرال توفيق لم تكن قراراً ارتجالياً، بل إنها تدخل في سياق التغييرات الأخيرة التي شهدتها وتشهدها المؤسسة العسكرية، والتي تؤكد أمرين: الأول أنه أصبح لرئاسة الجمهورية اليد الطولى على كل مؤسسات الدولة، وأصبح الرئيس بوتفليقة طليق اليد لينفذ السياسة التي يرتئيها للبلاد، والثاني أنه سيتم تسريع خلافة الرئيس، من دون أن يعني ذلك أن الرئيس بوتفليقة يرشح شقيقه السعيد لخلافته، بل ربما أراد فقط أن «يضمن حماية أقاربه من أي تصفية حسابات» بعد رحيله، على حد قول خبير جزائري.
عن السفير