في كل حركة تحرر حقيقية، لا يُقاس الوزن السياسي بعدد المؤتمرات ولا بارتفاع المنابر، بل بمدى الالتحام بالناس. القاعدة الجماهيرية ليست جمهورًا للتصفيق، ولا رقمًا يُستدعى وقت الانتخابات، بل هي أصل الشرعية ومنبعها. ومن ينسَ هذه الحقيقة، ينسَ نفسه.
لقد قامت حركة فتح على كتف المخيم، وعلى سواعد البسطاء، وعلى دماء الشهداء. لم تُولد من صالون سياسي، بل من خندق. ولهذا فإن أي قيادي — أيًا كان موقعه — إنما يستمد ثقله من ثقة الجماهير، لا العكس. الجماهير لا تُستمد مشروعيتها من القيادات، بل القيادات هي من تُستمد مشروعيتها من الجماهير.
حين يخرج تصريح يستفز القاعدة، فالمشكلة ليست في ردّة الفعل… بل في أصل الفعل. لأن التصريح الذي لا يراعي وجدان الناس، ولا يحترم وعيهم، ولا ينسجم مع تطلعاتهم، هو تصريح بلا جذور. قد يعلو صوته لحظة، لكنه يسقط أمام صوت الناس المتراكم عبر التاريخ.
القاعدة الجماهيرية ليست قطيعًا يُساق، وليست جمهورًا يُخاطَب من علٍ. هذا شعب خبر السياسة أكثر من كثير من السياسيين، ويدرك تفاصيل المشهد بوعيٍ عميق. ومن يظن أن الجماهير تُدار بالعناوين، فهو لم يفهم بعد معنى المسلكية الثورية التي قامت عليها الحركة.
القيادة تكليف، لا امتياز.
والتصريح مسؤولية، لا استعراض.
ومن لا يحترم نبض القاعدة، يفقد بوصلة الطريق.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يجب أن يُعاد تثبيت المبدأ:
صوت القاعدة الجماهيرية أعلى من أي تصريح قيادي.
لأن الناس هم من يمنحون الثقة، وهم من يملكون حق المساءلة، وهم من يقررون من يبقى في صفهم… ومن يبتعد عنهم.
الثورة ليست كلمات تُقال، بل علاقة ثقة تُصان.
ومن أراد أن يقود، فليبدأ أولًا بالإنصات.