تاريخ النشر: 2016-11-12 | 08:41
تاريخ النشر: 2016-11-12 | 08:41
شارع طويل مشيته ولم أكن لوحدي رافقني دفتري الصغير وهاتفي الصامت أغلب الوقت وزجاجة ماء جهزتها لي أمي قبل خروجي من المنزل .
قابلت في منتصف الطريق رجل أشعث أغبر قد ظهر علي وجه التعب سألته " عمي وين السجن اللي هان " دقق في وجهي وسأل " أنتي الك حد مسجون " ابتسمت واختصرت علي نفسي ثًلة من الأسئلة وأجبت " لا يا عمي أنا صحفية " بادلني بضحكة خالية من الأسنان وقال " نهاية الشارع أخر بوابة من هناك بتقدري تفوتي " ..
البوابة الأخيرة شرطي مُهذب رد علي سلامي دون النظر لوجهي ورفع سماعة الهاتف واتصل بزملائه بداخل الباب مغلق وحدثته أنا من الشباك , بعد أقل من دقيقتين فتح الباب شرطي أخر وأجلسني في مكان ينتظر فيه الزائرين وبعض الأسئلة كانت خلال مشينا للمكان وهي "اسمك ؟ من وين ؟ " وكل ما يندرج تحت جملة " الأسئلة الأمنية " كان أمامي سريع الخطوة وأنا أحاول جاهدة بأن أحافظ علي المسافة التي بيني وبينه وبالوقت نفسه أدقق بتفاصيل المكان وبالوجوه التي أمر من أمامها .
بعد معرفته التفاصيل كامله عني من خلال مكالمة أدخلني بمكتبه الهادئ من نظرات الزائرين ومن حديثهم المنخفض ونادني بأستاذة بعد ما كان "يا أختي " وطلب مني شرح مبسط عن طلبي خلال حديثي كان يسمع ويدقق بكل كلمه .
الغرفة الأخيرة التي يدخلها الزائرين لتفتيش تجلس شرطية كبيرة بالسن وأخرى تصغرها بالسن قليلا كلاهما لديهن من الصبر ما يكفي لأخذ جرعتين بوريدي لتحمل كل ما أسمعه بعد دقائق من النزلاء .
تحدثنا قليلا عن تفاصيل الحياة وعن أسباب الاهمال الأسري وكل خمس دقائق يأتي ذاك الشرطي الذي استقبلني ويقول " دقائق بكونوا عندك النزلاء " الجملة تكررت أكثر من ثلاث مرات وردي أيضا واحد " ولا يهمك معي وقت أنا "
كان يبلغ من العمر "20" ربيعا يحمل بين ثناياه وجع يكبره بسنين , طويل القامة كادت رقبتي أن تكسر عندما نظرت اليه وأنا أجلس علي ذاك الكرسي الذي في الركن الأخير من الغرفة التي أجريت فيها مقابلتي كلها , التهمه "سارق " ليست المرة الأولي التي يسجن فيها حسب قول الشرطي الذي كان باتجاه اليمين من الغرفة , جلس أمامي عرفت عن نفسي بادلني ابتسامه وبدأت أنا بالأسئلة كان صريح لدرجه لم أتوقعها وشجعني بأن أسأل عن تفاصيل عائلته أكثر وقولت" أبوك اليوم زارك ؟ " صمت لدقيقة يحتل المكان وأجاب " أبوي ما شفتو من 40 يوم معوش مصاري أنا كنت أصرف علي العيلة وهيني بسجن وبعرفش أصلا أخبارهم لا أمي ولا أبوي " وأغلق الزر الأخير من قميصه وكأنه يقول " الأسئلة تفتح جروح أحاول نسيانها " بلعت كل حزني وكلمات المواساة وسألته" كم تكلفه المواصلات من بيتك لسجن ؟ " أجاب ورأسه يكاد أن يلتصق بصدره " 2 شيكل يختي " لم أستطع كتم ملامح الصدمة .
ينظر لشرطي تاره والي مرة عيونه تحمل الكثير من الكلام سألته " أبوك ما بقولك من وين بتجيب الفلوس "ابتسم وقال " مش دايما أحيانا وبعدين أنا اعتباري بصرف علي العيلة ما بدق كثير علي المرة اللي فاتت لما انمسكت زعل مني يومين وبعدين عادي صار يكلمني " يتحدث عن أهله مرة يبتسم ومرة يصمت وينظر لقدميه وأنا أدون في دفتري نتائج الاهمال وكيف هو لا يعرف بأن ما يعيشه كان السبب الأول من يتحدث عنهم .
أتسأل أي عائلة هذه ؟
كيف لقلبه أن يقبل ضياع زهرة عمر ابنه بين جدران السجون وبين الحرام ؟ لهذه الدرجة قد وصل به الحال لا يملك أربعة شواكل ليشاهد ملامح ابنه ؟
اين كان عندما ذهب ابنه للسرقة ؟ ما الذي يشغل وقته ليدقق في أبسط أمور أبنه ؟
ولماذا هو بسجن مرة ثانية ؟!