تاريخ النشر: 2019-04-16 | 08:52
تاريخ النشر: 2019-04-16 | 08:52
طالما كان الوعي السياسي لدى مجمل شرائح المجتمع الفلسطيني عامة نتاجا لوعي ذاتي و موضوعي، ممنبثقا و مرتبطا بالمحيط السياسي الاقليمي و الدولي، و في حين كان يجب لهذا الوعي ان يرتبط بالوعي الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني و يشكل جزءا منه، الّا ان الطليعة الفلسطينيسة غيبت هذه الحقيقة الواجبة فانتجت وعيا اجتماعيا مشوها لدى مجمل شرائح المجتمع الفلسطيني، لدرجة ان باتت غائبة عن التأثير في مجتمعها بشكل ايجابي، لدرجة اضحت هي ذاتها عبئا على نفسها و محيطها المجتمعي، لدرجة فقدانها لنفسها و مجتمعها.
منذ السنوات الاولى لخمسينات القرن الماضي، تغاضت الطليعة الفلسطينية عن ما يمس احتياجات شعبها الحياتية، و المجتمعية، و سخّرت كل طاقاتها لتخدم الوعي السياسي لديه، فكانت النتيجة ان قدّمت الجزء على الكل، ولم تدرك انها بذلك ترتكب خطأ، سيكلفها الكثير في مستقبها السياسي و بما يهدد قدرتها على الاتصال بشرائح مجتمعها، بل و بما يقود شرائح المجتمع الى رفضها و لفظها، لتصبح جسما غريبا، يودي الى عدم اعتراف الاجيال اللاحقة بها و بتاريخها.
نجح مؤسسي الثورة الفلسطينية بمختلف مشاربهم الثقافية على استقطاب شباب جيل الستينات، الذي التف حول أؤلئك المؤسسين، ليعطيهم قوة دفع تمثلت بشرعية وجودهم، هذه القوة التي لم تترك اي مجال امام القيادات العربية، و قوى الاقليم، للافلات من الاعتراف بأؤلئك المؤسسين كطليعة سياسية قائدة للكفاح الفلسطيني، و الذي تجسد في الثورة الفلسطينية، كاحد اهم اللاعبين السياسيين على المستوى المحلي، بل تعدّاه الى المستوى الاقليمي و الدولي، لدرجة سمحت لمنظمة التحرير الفلسطينية، بان تصل الى قيادة حركات التحرر العالمي، الشيء الذي منحها اوراقا سياسية زادت لديها من قوة الدفع التي امتلكتها، هذه القوة التي اصبحت عبئا ثقيلاعليها عندما تغيرت الظروف الموضوعية المحيطة، اقليميا و دوليا، فرأت ان تلك الحركات التحررية قد بدأت بتحقيق اهدافها، في حين بقيت هي دون تحقيق للهدف الرئيس الذي قامت من اجله و هو تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة.
شهدت حقبة الاربعينات، والخمسينات، و الستينات العربية من القرن الماضي، انتشار ايديولوجيات سياسية متناحرة، ايديولوجيات ارتبطت بها الطليعة الفلسطينية ارتباطا عضويا، نتيجة لظروف سياسية سادت العالم في حينه، حيث أوجّ قوة الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى، تناطح الولايات المتحدة على قيادة العالم، وفي حين تمثلت هذه الايديولوجيات بثلاث كان اولها: الدينية السياسية والتي جسدها فكر الاخوان المسلمين، و الماركسية حيث تمثلت بالاحزاب الشيوعية العربية، و القومية العربية التي مثلها جمال عبد الناصر و الاحزاب القومية الاخرى كحزب البعث، دون ان تلاحظ الطليعة الفلسطينية، ان الفكرة السياسية الدينية و الفكرة القومية، قد تمت هزيمتهما على المستوى الانساني، و ان التعلق بهما ما هو الّا خطيئة اخرى ترتكبها الثقافة السياسية الفلسطينية، تضاف الى خطأها الاول عندما قدمت الوعي السياسي، على حساب مجمل الوعي الاجتماعي، فالفكرة السياسية الدينية قد اكتملت هزيمتها بهزيمة الكنيسة في اوروبا، و الفكرة القومية قد تمت هزيمتها ايضا بهزيمة هتلر زعيم القومية الالمانية، و بالتالي يصبح من الصعوبة بمكان، ان تسمح ديمقراطيات العالم بقيام هاتين الفكرتين من سبات موتهما التاريخي و الذي تصرّ ان تجعل منه موتا ابديا، كما لحقت بهما الفكرة الماركسية، بمجرد استسلام الاتحاد السوفيتي و تفككه امام الولايات المتحدة و حلفائها، و بهذا تجسّد "ضياع الوعي" للسواد الاعظم لكل ورثة الايديولوجيات الثلاث من الفصائل الفلسطينية التي كونت منظمة التحرير، باستثناء حركة التحرير الوظني الفلسطيني "فتح" و التي قادها الاحل ياسر عرفات و اخوانه الذين قدّموا الفكرة الوطنية على اي من الايديولوجيات الثلاث السابقة.
طالما تبنت الفصائل الفلسطينية تحريض الشعب الفلسطيني في الضفة و غزة، بالامتناع عن دفع الضرائب الى دولة الاحتلال الاسرائيلي، و ذهبت الدعوة الى ابعد من ذلك عبر تكريس الفصل الكامل ما بين الوعي الاجتماعي الفلسطيني و الوعي الاجتماعي الاسرائيلي، استمع الشعب لدعوة التحريض فكان اسلوبا حياتيا اعتمده الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة لعام 67، و الذي تلخص بعدم التزام الشعب الفلسطيني بالسلطة الادارية للاحتلال، كونها تجسد اداة ادارية محتلة، و دون ان تاخذ الفصائل الفلسطينية الاثار التي قد تترتب على ذلك مستقبلا، ليصبح نهجا اصرّ الشعب الفلسطيني على تطبيقه تجاه السلطة الفلسطينية التي نشأت نتيجة لاتفاق اوسلو، و لم يفرق الشعب الفلسطيني في الضفة و غزة حينها بين سلطة احتلالية و سلطة وطنية لديها التزاماتها.
بعد عام 1994 استمرت الفصائل و الاتجاهات الفكرية السياسية الفلسطينية و بالذات تلك التي اعتمدت في منهجها الفكر الماركسي كالحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب) او الماركسي القومي (الجبهة الشعبية و الجبهة الديمقراطية .... الخ)، استمرت في اعتماد نفس المنهج، دون الاخذ بعين الاعتبار التغيرات الذاتية و الموضوعية التي نشأت نتيجة عودة هذه الفصائل الى غزة و الضفة و لم تدرك ان الوعي الاجتماعي بكل مكوناته سيكون هو معيار الارتباط القادم بينها و بين مجتمعها الفلسطيني، فكانت النتيجة "ضياعا للوعي" لانها فقدت الدعامة الفكرية القوية المقنعة للجماهير، فالعقيدة الفكرية التي نالت هزيمة لم تعد وعيا فكريا صالحا، بل اصبحت وعيا مشوها و زائفا، يعتمد الوهم و التراث، لكن فصائل و حركات اليسار الفلسطيني ناهيك عن الحركات الاسلامية، رأت استمرارها في اعتماد عقائد و ايديولوجيات تراثية ، و اصبح جلّ اهتمامها المحافظة على وجودها مهما كانت النتائج، و بأي اسلوب كان، لذلك ذهب اليسار الفلسطيني بعد عام 2000 ليسير على حبال السيرك، و سجل سقوطا مدويا في حضن الاسلام السياسي، ليرضي بذلك الولايات المتحدة، العدو السابق، فكانت المكافأة، اموال المؤسسات و المنظمات الغير حكومية الفلسطينية! شأنهم بذلك شأن الاحزاب المثيلة لهم في الدول العربية اثناء ماسمي بالربيع العربي.
مما زاد الطين بله اصرار الاسلام السياسي الفلسطيني الذي مثلته حركة حماس، الى اعتماد منهجا خبيثا عندما اعتمد "المكبوت الديني" كأداة يستطيع من خلالها الايحاء بان عقيدته السياسية ما زالت عقيدة و وعيا حيا، لدرجة اودت بترويج المزاعم الضارة وطنيا، و عملت على نشر الاكاذيب و ترويجها لدرجة راقت لبعض من اليسار الفلسطيني كالجبهة الشعبية على سبيل المثال لا الحصر، هذا اليسار الذي روج ايضا وعيا و ثقافة زائفة اعتمدت ايضا مكبوت "الوحدة العربية"، الشيء الذي ساعد في ان يصبح المجتمع الفلسطيني شرائح متناحرة، متشككة، متحاربة على المصلحة الخاصة، مما افسد روح المبادرة و ضعف المحصول الانتاجي من العمل للشعب الفلسطيني بشكل عام و سكان غزة و الضفة بشكل خاص. جرى كل ذلك اثناء ترنح اصحاب الفكر و العقيدة الوطنية التي قادها الراحل ياسر عرفات الذي جسد عمق الوعي الوطني الجمعي، امام ضربات العدو الاسرائيلي و الاقليمي و الدولي العدو الذي رأى وجوب التخلص منه، و بذلك نال ما اراد بمشاركة غير مدركة من اليسار الفلسطيني و مشاركة مدركة من الاسلام السياسي الفلسطيني و الذي طالما سعى لان يكون البديل للوعي الوطني و مروجيه.
استمرت الصراعات و احتدمت في شتى الدول العربية نتيجة لحراكات التغيير التي اطلق عليها "الربيع العربي" باستثناء البعض منها، مما قاد الى صياغات تحالفية معقدة و مشوهة بين العقائد الفكرية المختفة، دون ان يدرك اليسار الفلسطيني طبيعة مقومات الوعي السياسي الواجب اعتمادها لتجديد نفسه، و ليعطيه دورا في صياغة الوعي المجتمعي الفلسطيني القادم، و الذي اصبح واجب الصياغة، بعد اندحار الوعي السياسي االذي ارتكز الى ايديولوجيات سياسية تراثية (الاسلام السياسي و القومية العربية و الماركسية الشيوعية) و تقدم لوعي سياسي جديد قادر على المشاركة في صياغة وعي مجتمعي صحي و غير مشوه، و من هنا وجب مراجعة الذات عبر استخلاص للعبر و تحديث مكونات الايديولوجيات الداعمة للفكر السياسي الفلسطيني و استحضار مفاهيم حية من ايديولوجيات انسانية متفاعلة بين الداعين لها و بين مجتمعاتها، لا سيما ان جيل عام 2000 وما بعده من اجيال، لم يرى تاريخ هذه الفصائل اليسارية المشرق، في صياغة تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني، بل رأى عكس ذلك نتيجة الوقوع في شباك حماس و اكاذيبها كممثل للاسلام السياسي و الاخوان المسلمين الذين ترنحوا مؤخرا في مصر، و السودان، و بعض الدول العربية امام المنادين بالوعي السياسي القومي الديموقراطي و الوعي السياسي للفكر الوطني الليبرالي، و الاشتراكية الاجتماعية الديموقراطية، اذ لا تنازل عن العدالة الاجتماعية، و الحرية الفردية، و الديمقراطية، و تبادل السلطة، فالوعي السياسي ما هو الّا جزء من مجمل الوعي الاجتماعي.