لم يعد الوضع الفلسطيني يحتمل أي مجاملات أو رهانات على امكان عودة الضالين إلى رشدهم, أو اقتناع “حماس” أن سياستها أوصلت القضية الفلسطينية للدوران في حلقة عنف مفرغة تخدم اسرائيل, في هذا المنعطف الحساس جدا في التاريخ الفلسطيني, لذلك حسنا فعل رئيس السلطة الوطنية محمود عباس بمكاشفته المجلس الوزاري العربي الذي عقد في القاهرة اخيرا بحقيقة وضع بلاده, وبالدور الخطير الذي يؤديه فرع “الاخوان” الفلسطيني, كما أنه اسمع من خلال ذلك قادة “حماس” ما كان يجب أن يسمعوه منذ زمن طويل.
لقد عانى الفلسطينيون في العقود الستة الماضية ما لم يعانه شعب وقع تحت الاحتلال على مر التاريخ, فبالاضافة الى تشردهم ومجازر حصدت آلاف الابرياء منهم, كان دائما هناك تجار دم من ابناء جلدتهم يساومونهم على عذاباتهم ويتاجرون بهم في العالم العربي, كما أنهم ارتكبوا اعمالا ارهابية اساءت للقضية اكثر من اي أمر آخر, وفي كل ذلك كان هؤلاء, ولا يزال بعضهم الى اليوم, يوفرون لاسرائيل اسباب الترويج لبكائيتها المزيفة عن حقها بالوجود والدفاع عن نفسها.
هؤلاء وُجدوا منذ بدأت المحنة الفلسطينية, وتسموا بمسميات عدة, لكن غالبيتهم كانت صنيعة جماعة”الاخوان”, أكان في ثلاثينات القرن الماضي من خلال الفتاوى المحبطة للعزائم والممهدة لبيع الاراضي للحركة الصهيونية, أو في الاربعينات وما بعدها حين استخدمتهم بريطانيا لتسويق مشروع تهويد فلسطين, ومع انطلاق حركة المقاومة شكلوا طابورا خامسا فأسأوا للقضية, بالاعمال الارهابية الدولية حيناً, وببث الفرقة بين ابناء الشعب الواحد أحياناً, وحتى بالتغطية على شبكات التجسس الاسرائيلية, وكان هدفهم دائما عرقلة الحلول التي يمكن ان تشكل ارضية لاسترداد الحقوق السليبة.
“حماس”, اليوم, نسخة منقحة من اخطاء تجربة الجماعة الارهابية, ومزيدة بأساليب التدمير الحديثة للقضية, وهي استمرار لذلك الطابور, فمنذ وجدت جعلت من مناطق نفوذها سجنا, لا سيما في قطاع غزة الذي دفع ثمنا كبيرا من ابنائه في حروبها العبثية, وكرست الانقسام في السلطة الوطنية الوليدة, وهو ما منح اسرائيل المبررات, ليس لاستمرار التنكيل بالشعب المعذب, انما ايضا لتسويغ الاستيطان في الضفة الغربية بحجة ان حكومة قطاع غزة تمثل الفلسطينيين كلهم.
حقيقة “حماس” كأداة لطمس القضية الفلسطينية تجلت في فضيحة محمد مرسي وقبوله بالتنازل عن جزء من صحراء سيناء لاقامة دولة فلسطينية فيما تتخلى الحركة عن القطاع بعد ان يخليه سكانه للاسرائيليين, وهذا كان من ابرز اسباب الثورة على حكم المرشد في مصر.
هذه الحقيقة جعلت رفض الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لقاء وفد “حماس” امرا عاديا, بل كان مستغربا اذا استقبلهم لأنهم تآمروا على الامن القومي المصري, وارتكبوا العديد من الجرائم الارهابية في ارض الكنانة بأوامر من مكتب ارشاد “الاخوان”.
ولأن مصر تدرك ان دورها يفرض عليها ان تتعالى عن الصغائر لم تغير موقفها من قضية العرب الاولى, فبقيت مناصرة لها وراعية لكل اتفاق يؤمن الاستقرار للشعب الفلسطيني, لانها تدرك ان “حماس” ليست الممثل الشرعي لهذا الشعب إنما هي مجرد اداة اسرائيلية وبندقية للايجار, وان فلسطين ليست قضية للمتاجرة انما هي اساس الامن القومي العربي.
*رئيس تحرير السياسة الكويتية