غريب أن يستغرب بعض المراقبين من وجود حكومتين في ليبيا تتنازعان "الشرعية"، بينما الواقع يؤكد وجود عدد لا متناه من الحكومات تتشكل وتنتصب وتحدد فضاءها السلطوي اعتماداً على ميليشيات مختلفة المشارب والتوجهات . فحينما تنعدم الحياة السياسية ويتم الاحتكام للقوة والسلاح شرعية وحيدة تصبح كل العجائب جائزة ومتوقعة .
ظاهر المشهد يكشف عن حكومة "منتخبة" تمثل الإسلام السياسي ورئيسها أحمد معيتيق، وثانية "مستقيلة" لتصريف الأعمال برئاسة عبد الله الثني ترفض الاعتراف بالأولى، وهناك حكومة لا منتخبة ولا معلنة برئاسة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تعمل ضد الحكومتين المذكورتين وتحارب الإرهاب وجماعاته . وقد يكون حفتر، الذي يملك مشروعاً للحكم، أقوى الأطراف والأكثر ممارسة للسلطة، بل هو المستفيد الأكبر من التناحر الجاري بين معيتيق والثني مما يمكنه من زيادة الزخم الشعبي لمشروعه الذي بدأه منتصف الشهر المنقضي . وبالنظر إلى الهاوية التي سقطت فيها ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي، فإن كل ما يحصل والأسوأ منه لم يكن مفاجئاً البتة .
قبل أسابيع كانت أغلب القراءات تتحدث عن مقاربات وصراعات مسلحة كثيرة تجتاح ليبيا، أما اليوم فقد بدأ يتضح شيئاً فشيئاً أن الصراعات تشهد بعض الاختزال ليقتصر جانبها الأكبر على الصدام بين التيار الليبرالي والإسلام السياسي، وتضيف محاولة سطو أحمد معيتيق ومن والاه على السلطة مستعيناً بميليشيا اقتحمت مقر الحكومة دليلاً آخر على أن الحرب بين التيارين مرشحة لمرحلة كسر عظم عنيفة، وهي بكل تعقيداتها تحمل في طياتها مخارج لحالة الفوضى المستبدة بالليبيين، وبموازاة ذلك، ليس حال حكومة عبد الله الثني أفضل حالاً، بل هي وجه آخر من وجوه الأزمة التي تتجاوز الحدود الليبية .
ما يجري في البلاد الليبية لا يمكن فصله عن الجوار الذي آثر الحياد ظاهرياً، بينما تجري صراعات إقليمية بالوكالة بين تيارات الإسلام السياسي المعتدلة منها والمتشددة والقوى المناوئة لها . وفي هذا السياق لم يكن صدفة تزامن محاولة معيتيق وجماعته افتكاك السلطة من عبد الله الثني مع الإعلان رسمياً عن فوز المشير عبد الفتاح السيسي برئاسة مصر بنسبة ساحقة من أصوات المقترعين . ويبدو أن ما يحصل في مصر سيكون له الأثر الكبير على الأوضاع في ليبيا، فهناك لا يريد الإسلام السياسي ممثلاً في الإخوان المسلمين فقدان آخر معاقله .
أي مرحلة للتغيير تبدأ بإرهاصات ومؤشرات قوية، وأكبر تلك المؤشرات في ليبيا تتمثل في الزخم المتزايد الذي تحظى به "معركة الكرامة" واتساع رقعة المؤيدين لها في أرجاء البلاد خصوصاً من التشكيلات الثورية المسلحة والقبائل القوية . وكلما اتسعت نسبة التأييد، نالت المعركة ضمانات للنجاح، ليس في ليبيا وحسب، بل للمنطقة برمتها، وهي تستعد لمنازلة واسعة النطاق ضد الإرهاب والإسلام السياسي بكل ألوانه.
عن الخليج الاماراتية