تاريخ النشر: 2017-09-10 | 19:21
تاريخ النشر: 2017-09-10 | 19:21
لقد اصبحت الولايات المتحدة الامريكية منذ عدة عقود القوة الاولى في العالم التي تقود عجلة الراسمالية العالمية وتأهلت بما لديها من قوة صواريخ ونيران واقتصاد عملاق ان تكون زعيمة الامبريالية العالمية من المهم فهم كيفية صناعة الولايات المتحدة لقرارها وماهي المؤثرات عليه لندرك في اية دائرة استهداف نحن اصبحنا.. ومن متابعة حركة التاريخ البشري نرى تدحرج مراكز الفعل والقوة على وجه الكرة الارضية من دائرة جغرافية الى اخرى عبر الازمنة فكما ان التطور انتقل بالانسان من مرحلة الزراعة الى الصناعة والتجارة والخدمات ومن الشرق الى الغرب ومن اوربا الى امريكا فنحن الان ازاء درجة من التفوق الاقتصادي العالمي الذي يمتلك تفردا خطيرا ففي الماضي القريب كانت الكلمة للبنوك، أما الآن فلقد تبوأت شركات التكنولوجيا العملاقة السيطرة على صناعة لوبيات الضغط الأميركية، فهل ستستطيع هذه الشركات ان تشتري بأموالها كل ما تشتهيه وتفرض على الجميع منافسة أضعف وضرائب أقل وولوج إلى بيانات أكثر؟ أجل ان عمالقة التكنولوجيا كجوجل وفيسبوك وأمازون اصبحت بجدارة شركات احتكارية.. ولهذا الشركات اذرع اعلامية وسياسية ولوبيات ضغط ومن اهم ادواتها مراكز البحوث والدراسات.
فتمويل معهد الأبحاث والدراسات الامريكي "نيو اميركا" الذي يوجه العملية الاعلامية حول الشركات العملاقة ما هو إلا واحد من الأساليب العديدة التي تتبعها أقوى صناعات أميركا في ممارسة نفوذها على صناع السياسة؛ ومعظم هذا العمل يتم على بعد ربع ميل فقط من البيت الأبيض، في مركز وقاعدة للقوة السياسية أقل شهرة انه مركز صناعة لوبيات الضغط السياسي، وفق الغارديان الانجليزية.
إلى جانب معاهد الأبحاث والدراسات السياسية فإن شارع K الواشنطني يعج بممثلي الشركات الضخمة والقتلة المأجورين، فضلاً عن المجموعات الحقوقية، في ثنائية هي وجه امريكا الحقيقي حيث يقضي أعضاء جماعات الضغط وقتهم في الاحاطة بأعضاء الكونغرس من كل جانب، لدفع الاتجاه بهم نحو اصدار قوانين مواتية وتشريعات مفيدة.
على مر العقود السابقة مارست البنوك الكبرى وعمالقة الشركات الصيدلانية الدوائية نفوذها الاقتصادي في واشنطن، لكن وادي السيليكون هز المشهد وقفز بعيدا الى الامام في سبيل الهيمنة؛ ففي خلال السنوات الـ10 الفائتة أغرقت الشركات التقنية الـ5 الكبرى جوجل وفيسبوك وميكروسوفت وآبل وأمازون واشنطون بأموال اللوبي،" لدرجة أنها باتت الآن تتفوق على وول ستريت في إنفاقها بنسبة 2 إلى1
وليس جوجل وحدها، بل فيسبوك وأمازون وآبل ومايكروسوفت أيضاً ، تفتّ العملة وتضخ الأموال وتغدقها على واشنطن...يقول روبرت مكتشيزني، أستاذ علم الاتصالات في جامعة إلينوي "إنهم يغرقون واشنطن بأموالهم وأفراد اللوبي الضاغطين خاصتهم، ويحاصرونها من كلا طرفي الممر، فمليارديرات وادي السيليكون ومديروه التنفيذيون يكونون ملونين حسبما يكون لون الرئيس السياسي او اعضاء الحزب الحاكم فهم مع أعضاء الحزب الجمهوري متحررين ومناصرين لقرارات خفض ضرائب الشركات، كأنهم أولاد عم شركة الأخوين كوخ Koch brothers المحافظة، أما عندما يعاشرون الديمقراطيين ويتزلفون لهم، تراهم "هيبيين" يدخنون الحشيش، ونشطاء لقضية حقوق المثليين".
إن وادي السيليكون يمارس نفوذه على صناع السياسة وعلى المواطنين سواء، عبر وسيلة أخرى ألا وهي أساليب "القوة الناعمة" التي تضم تمويل معاهد الدراسات السياسية الفكرية وجهات الأبحاث التي تصنع الرأي والفهم والافكار ومؤسسات التجارة وقوتها الاعلامية التي تمارس جميعها الضغوط على الحكومة أو تؤثر في المجتمع المدني.
وكما يصفها المطلعون من داخلها بعد ان يغادروها "إنه عالم مستنقعات موحل، فكل مؤسسات ومعاهد الأبحاث والدراسات هذه تكتب تقارير وأوراقاً بحثية مطولة وتزج بها في وجه المسؤولين لتخويفهم من مغبة فرض قوانين جديدة قد تقتل سوق تجارة الإنترنت".
وهناك طرق أخرى للتغلغل في طبقات القرار كما حصل في الاجتماع السري الذي دام 3 أيام وعقدته جوجل جنوب غربي صقلية، أوائل أغسطس/آب الماضي، والذي تم نقل قادة رجال الأعمال بالطائرات المروحية الخاصة واليخوت الفاخرة للاستمتاع بصحبة "إيما واتسون وشون بين والأمير هاري والسير إلتون جون" في مناسبة أريدَ منها التقاء العقول الفذة لمناقشة المشكلات والقضايا العالمية الاقتصادية والسياسة ومستقبل الإنترنت.
يقول جيف هاوزر، المدير التنفيذي لمشروع the Revolving Door Project ":ثمة جهود على صعيد العلاقات لكي تحافظ شركات التكنولوجيا على الزيف الخادع الذي توهمنا به أنها كوكبة عباقرة رواد في عالم التقنية الحديثة يبذلون قصارى جهدهم من أجل خير الإنسانية"..أما الواقع فهو أن هذه الشركات يديرها أعتى رجال الأعمال في أميركا واكثرهم جشعا حيث الغوا امكانية التنافس وضربوا بعرض الحائط الحقوق المستحقة للضرائب من خلال تغلغلهم في الادارة وصنع القرار ويشككون كثيراً بدور ونفوذ الدولة والحكومة : "إن نظريتهم تقول إن الديمقراطية حجر عثرة في وجه الرأسمالية، لذا هم بحاجة لأقل قدر ممكن من التقنين".
في فترة التسعينيات، باكورة أيام الدوت كوم، ازدهرت شركات الإنترنت وانتعشت في وادي السيليكون بمراوغتها القانون والتحرك بسرعة وخفة وارتكاب تجاوزات بتحطيمها الأطر وحدود الآفاق، لقد تأسست مؤسسة الجبهة الإلكترونية (the Electronic Frontier Foundation EFF) في ميثاقها الذي أصدرته عام 1996 بعنوان "إعلان استقلال فضاء الإنترنت" الذي عادى كل أشكال التدخل الحكومي، فقد كتب فيه جون بيري بارلو، العضو المؤسس لـEFF "يا حكومات دول العالم الصناعية، يا عمالقة اللحم والحديد إنني بالنيابة عن المستقبل أطلب منكم أن تتركونا وشأننا، فلا مرحباً ولا أهلاً ولا سهلاً بكم بيننا، إذ لا شرعية لكم في مكان تجمعنا".
لقد كان لأيديولوجية السوق الحرة التي جاء بها بيل كلينتون الفضل في مساعدة شركات التكنولوجيا على النمو، وهكذا وفي ظل غياب التدخل الحكومي، ولد نوع جديد من الرأسمالية الرقمية أفسح المجال أمام صعود شركات "الفائز فيها يحصد كل شيء"، فأحكمت هذه سيطرتها على قارات بأسرها في إطار الاقتصاد الرقمي، فتفردت جوجل بمحرك بحثها، واستأثر فيسبوك بالشبكات الاجتماعية، وتميز أمازون في مجال مبيعات المفرق على الإنترنت.
وإدراكاً منهم لدور وقدرات الشركات التقنية في التأثير في السوق وأرجحة أكف ميزانه، انهمك المنظمون والمراقبون المقننون الأوروبيون في ملاحقة هذه الشركات والتضييق عليها، ما انتهى بتوجيه فاتورة ضريبية إلى آبل قيمتها 13 مليار يورو (14.5 مليار دولار) وتغريم فيسبوك لخرقه قوانين حماية البيانات في أعقاب شرائه لشركة واتساب.
وكذلك في قضية كبرى لمكافحة الاحتكار التنافسي، تكللت أحداثها في شهر يونيو/حزيران الماضي، عندما تلقت جوجل صفعة بتغريمها في أوروبا بمبلغ 2.7 مليار دولار لإعطائها الأفضلية لخدماتها هي في نتائج بحث محركها.
أما في الولايات المتحدة فقد أسفر تحقيق أجرته مفوضية التجارة الفيدرالية FTC عن الاستنتاجات نفسها التي خلصت إليها أوروبا، فنصَّ تقرير المفوضية الذي يقع في 160 صفحة على أن سلوك شركة جوجل قد نجم عنه "ضرر حقيقي على المستهلكين، وأضرَّ بالإبداع في أسواق الإعلانات ومحركات البحث على الإنترنت".
هنا أهاب المستثمرون برجال السياسة كي يرفعوا قضية احتكار تنافسي، لكن السياسيين غضوا الطرف عن التوصيات المقدمة إليهم متجاهلينها.
يرجع النجاح الفلكي لشركات وادي السيليكون، إلى خفة تنظيمات وتقنينات أميركا، "إن هذا سببٌ يجعلنا نرى أن تقريباً كل شركات الإنترنت الناجحة التي نراها اليوم هي شركات نشأت ونمت في الولايات المتحدة".
منذ الستينيات دأبت في وقتها وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة Arpa، التي تغير اسمها الآن لتصبح وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية Darpa، على توجيه الأموال صوب مشاريع الأبحاث طويلة الأمد وتطوير تقنيات جديدة كلياً، يعتمد عليها عمالقة التكنولوجيا، من ضمنها كان تمويل معهد أبحاث ستانفورد بصفته مركز الإبداع والتطوير الاقتصادي في المنطقة، حيث تنسب إليه ابتكارات مثل أول كومبيوتر رقمي مغناطيسي كلياً، فضلاً عن الفأرة (الماوس) وأول نسخة من الإنترنت.