تاريخ النشر: 2023-11-11 | 14:43
تاريخ النشر: 2023-11-11 | 14:43
تقول الحكمة الشعبيّة: "مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ"، وهذا ينطبق بالتمام والكمال دون لُبس ولا مواربة على الوضعين في اوكرانيا وفي غزّة، من ناحية ما جرى ويجري في البقعتين البعيدتين جغرافيا، وطبيعة التحزّبات والتحشيد والتجييش تجاه كلّ واحدة منهما،
من حيث المبدأ والتوصيف ننطلق من حقيقة أن في كلاهما تدور حرب ومعارك تُخلّف وراءها خسائر بشريّة ومادّية.
اوكرانيا او الحرب فيها هي السبّاقة في الحدوث زمنيّأ، نزاع تطوّر إلى دخول القوّات الروسية في الاراضي الاوكرانية تحت بند مكافحة النازيّة الجديدة، التي كانت روسيا قد اكتوت بنار النازية القديمة، وتحت شعار الحفاظ والمحافظة على الامن القومي الروسي من مخاطر انضمام محتملٍ لاوكرانيا إلى حلف الناتو العدائي العدواني،
هرولت الولايات المتحدة ومن خلفها دول الغرب الاوروبي كلّها واسرائيل وكندا واستراليا إلى الاصطفاف مع اوكرانيا ضدّ روسيا وغزوها لجارتها اوكرانيا،
حرّكت المليارات والمساعدات وشحنات الاسلحة والشعارات والتهديدات والفذلكات "وتبشيم الخوازيق والاسافين" وفرض العقوبات على روسيا وشيطنتها وشيطنة رئيسها الرئيس بوتين ووصفه "بالطاغية"،
وبأن اوكرانيا بدعمهم منتصرة منتصرة، وان روسيا "عدوّتهم" في طريقها إلى الهزيمة،
واصبح العالم كلّه لا يتحدّث عن شيء غير اوكرانيا، لا حديث عن المجاعة في افريقيا ولا نقص الحبوب والغذاء في العديد من دول الجنوب الفقيرة، ولا حتى عن آلاف الافارقة والعرب الذين يغرقون في قوارب متهالكة متخمة بهم في مياه البحر في طريق هروبهم للبحث عن مكان آمن يرشح سمنا وعسلا في دول اوروبا والغرب عامة،
احتلّت صور وفيديوهات اللاجئين الاوكرانيين بعيونهم الزرقاء والفاتحة وبشرتهم البيضاء وشعرهم الاشقر شاشات الفضائيّات وصدر الصحف والمجلّات، وفتحت لهم اوروبا ابوابها على مصراعيها، وقدّمت لهم المأوى والملبس والمأكل والاحترام والتبجيل والدعم،
مع العلم وللحقيقة والتاريخ أن الجيش الروسي خلال عملّياته الحربية في اوكرانيا لم يتعمّد مطلقا المس بالمدنيين أو بالمناطق المأهولة بالسكان أو بالبيوت والمباني والابراج السكنية، لم يتعمّد قطع التيار الكهربائي ولا منع الدواء والغذاء عن الاوكرانيين، لم يمنع تدفّق المحروقات ولم يقم بقصف مخازن محتملة لها، بل استهدفوا العسكريين من الجيش الاوكراني الذين يتحاربون معهم، مع التقيّد الصارم بكل المواثيق والقوانين الدولية والقانون الانساني، التي تضبط ايقاع المعارك والاستهدافات في زمن الحرب، فلم نسمع عن مجازر حدثت في اي مدينة او قرية اوكرانية،
بالمقابل جاءت الحرب على غزّة، العدوان على كلّ شيء في قطاع غزّة، لتطفو على سطح الاحداث العالمية ولتصبح الخبر الاول والثاني والثالث في الفضائيّات وعلى صدور الجرائد والمجلّات، وهكذا غاصت مسألة الحرب في اوكرانيا في عمق الاعماق ولم يعد يبان منها حتى ظفرا،
الحرب على غزّة مختلفة تماما عن الحرب في اوكرانيا،
ففي اوّل يوم للحرب على غزّة صرّح نتنياهو، رئيس وزراء اسرائيل بالحرف الواحد، بصورة جليّة حازمة وقال: "سأحوّل قطاع غزّة إلى ركام!!"،
اذن هدف الحرب معلن وواضح ومصرّح به منذ البداية ألا وهو تحطيم وتدمير كلّ شيء في غزّ’، هذا هو الهدف وهذا ما يعمل عليه نتنياهو وجيشه ومجلس حربه منذ اوّل لحظة، أمّا اي كلام آخر فهو عبارة عن تفصيلات أو ربما محطات في سبيل تحقيق الهدف الرئيس الاساسي وهو احالة قطاع غزّة بمن فيه وعليه إلى كتلٍ من الكام،
هنا يكمن الفرق الجوهري بين الحرب في اوكرانيا والحرب على غزّ’، وربما الفرق بالتالي بين الرئيس بوتين وحربه في اوكراني ورئيس الوزراء نتياهو وحربه على غزّة،
بوتين لم يستهدف المدنيين، بل اهدافا عسكرية خالصة، بل انّه تعامل مع الاوكرانيين بكل "لطافة" وحرص، إلى درجة أنّه كأنّه "يُحسّس عليهم تحسيسا" حتى لا يؤذيهم،
بالمقابل نتنياهو، تطبيقا لكلمته الاولى، يقوم "بهرس" البشر والحجر والشجر في غزّة،
طيرانه الحربي الحديث المزوّد بقنابل وصواريخ امريكية احدث تنهال على رؤوس المدنيين في غزّ’، مما تسبّبت حتى الآن في قتل اكثر من 11 ألف مدني في بيوتهم وفي مراكز الايواء في المدارس والمستشفيات، وأنّ اكثر من نصف المستهدفين الضحايا (الشهداء) هم من الاطفال،
لاوّل مرّة في تاريخ الحروب البشرية يقوم جيش غازي بتهديد واستهداف المستشفيات، ومراكز الايواء التابعة للامم المتحدة،
هناك مفارقة يمكن أن تكون غريبة وعجيبة وهي ان امريكا واوروبا تداعت لنجدة اوكرانيا من غزو الروس لها، لكن في حالة غزّة فان الصورة مقلوبة، فقد تداعت امريكا واوروبا لدعم اسرائيل في غزوها لغزّة.