قال قائل من قادة حركة فتح في بداية الثمانينات من القرن الماضي عندما سأله سائل من المناضلين “أين حركة فتح؟” فأجاب هذا القائد “أن حركة فتح نحن من صنعها، فوقتما نشاء نخرجها ووقتما نشاء نضعه في الدرج”، تلك الآليات التي تعودت قيادات حركة فتح أن تستخدمها ضد المناضلين وفي مناخات لا تخدم إلا مشروعها ومشروعها الشخصي فقط وبنرجسياتها أيضاً.
كنا ندرك منذ عقود بأن هذه الحركة تتجه إتجاهات مريبة تخرج عن ثوبها وجوهرها التي لجأت له الجماهير زحفاً وأفواجاً وأمواجا لتحرير فلسطين كل فلسطين.
قلنا كثيراً وتحدثنا كثيراً عن نية تلك القيادة واللوبي الذي يعمل بها ويتلاعب في مصير كوادرها وقياداتها الوطنية، ولكن للأسف لم يتيقظ البعض لمقولة “وأكلت يوم أكل الثور الأسود” هكذا هو الحال في سلوك تلك القيادة المريبة التي مازالت تستخدم عواطف الفتحاويين وشحنهم وتحفيزهم ضد أعداء لها وما هم بأعداء بل هم إخوة صادقين دخلوا هذه الحرة من أجل مبادئها وأهدافها ومنطلقاتها لا من أجل مال أو رتبة أو راتب وللأسف عندما تم فصل العديد من كوادر حركة فتح على مدار التجربة أو إقصاء أو تحديد ممرات لإلصاق تهمة التجنح أو الإنشقاق كان هناك بعض من اختلط لديهم الأمر وتاه عنهم المأرب واصطفوا إلى جانب هذا اللوبي الذي كان مصر دوماً على إقصاء أبناء قطاع غزة وكوادرها من دائرة القرار ودائرة المسؤولية، وطوردوا في كل المؤسسات الحركية باعتبار أن على رأس تلك المؤسسات كانت أوجه فئوية ضالة لا يهمها برنامج وطني ولا يهمها وطن ولذلك كانوا هم المتجنحين منذ أواخر السبعينات تقودهم أحقادهم وأطماعهم في فرض سلطانهم وسلطتهم وباتفاق علني أو غير علني مع مآرب الاحتلال وهذا ما جسدته لهم وحققه سيناريو أوسلو وسيناريو الانقسام الذي هم صنعوه ليحققوا مملكتهم بمشاركة إسرائيل في ما يسمى يهوذا والسامرة التي منحوا اسرائيل فيها بطاقة خضراء لتمدد الاستيطان وتحقيق حلمهم في المناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية.
هم قد استخدموا أبناء قطاع غزة من الدرجة الثانية أو الثالثة وربما الاحتلال يحترم أبناء قطاع غزة ويعطيهم حقهم لشجاعتهم وبطولاتهم أكثر من حقدهم الدفين، هم استخدموا أبناء قطاع غزة والمغرر بهم على غرار الفلاشا لتدعيم مملكاتهم وسلطانهم وبرغم ذلك ورغم تصفيات إسرائيل لأعز القيادات الوطنية التي لا تميز جغرافياً بين هذا وذاك لازالت غزة تمثل لهم رعب وحركة فتح تمثل لهم رعب بكوادرها وشرفائها المناضلين.
معركة حامية الوطيس، إما بين عباس والوطنيين في داخل حركة فتح وهو صراع ليس جديد بل يجدد مع أي منعطف تمر به حركة فتح، السيد عباس ومنذ توليه رئاسة الحركة والمواقع الاعتبارية الأخرى في السلطة والمنظمة لا يخفى على أحد برنامجه المدمر، ولكن الكثير من المغرر بهم وقفوا إلى جانبه ضد الشرفاء ولكن نحن من استيقظ ولو كان متأخراً، والعار كل العار على من بقي مغفلا ومستغفلا ومغرر به.
السيد محمود عباس لم يدمر حركة فتح بل كانت حركة فتح هي طليعة برنامجه التدميري ولأن فتح مازالت هي التي تمثل خطورة حقيقية على الكيان الصهيوني وتمثل خطورة حقيقية على من هم ساروا في أجواء وأهواء إسرائيل والذين يطالبون بأمنها ويطالبون بعلاقات اقتصادية وفنية وكروية مع هذا الكيان الغاصب.
هؤلاء قد باعوا جلدتهم منذ زمن، ولا أسف عليهم ولم نفاجأ بأي ممارسة يمارسونها فهم مارسوا ومارسوا ومارسوا قطع الأرزاق وتشتيت المناضلين وفصل وملاحقة ومحاولات إغتيال أيضا ومنها ما حقق هذا هو سلوكهم التدميري الذي بوابته تدمير حركة فتح ثم تدمير الكيانية الفلسطينية برمتها.
بالأمس القريب فصلوا العديد من الكوادر في الساحة اللبنانية ثم الساحة الأردنية ثم ساحة أوروبا، ثم غزة، بحجة التجنح وللأسف كثير من المتتبعين لتلك القرارات اللاقانونية واللاأخلاقية والتي تخرج أصلا عن نظام حركة فتح لا يفهمون معنى التجنح، فهل يحق أن نقول أن نقول أن من يتمسك بالثوابت الفلسطينية هو متجنح؟ أم التجنح هو الخروج عن أهداف ومنطلقات حركة فتح وأدبياتها ونظامها والتجنح نحو العدو، فهذا له في النظام أن يتهم بالخيانة العظمى وبأحكامها فمن الزيف أن نقول على من يطالب بالاصلاح والتصحيح وتحديد المسارات النضالية بأنهم متجنحون، ولكن يجب أن يفهم الجميع أن القراصنة لا يمتون بصلة للأخلاق ولا للقوانين ولا للنظام ، فهي حالة قرصنة بكل مظاهرها، ومطلوب من القوى الحية استرداد هذه الحركة واسترداد النظام واسترداد آليات عملها الوطنية.
اليوم يستمر السيد محمود عباس في قراراته التي قلنا انما هي تدل على أنه رجل طاعن في السن وأصبح يمتلك وعاء كبير من الزهايمر أو أنه رجل مازال يكمل الدور المناط به قبل تسليمه ورحيله، يفصل مجموعة من المناضلين الأشداء الذين دفعوا من أجل الوطن جزء من عمرهم الزمني في سجون اسرائيل ومقارعة الاحتلال، هم ماجد أبو شمالة، وناصر جمعة، وعبد الحميد المصري، وسفيان أبو زايدة، ورشيد أبو شباك، بنفس تهمة السابقين وهم التيار الاصلاحي للقائد الفتحاوي محمد دحلان، فإذا ما نظرنا لما قرروه من انتخابات مناطق في غزة فإنها حسمت للتيار الاصلاحي وما على عباس والفئويين إلا أن يتجرعوا مرار الخيبة والهزيمة ولأن فتح ستسير في الاتجاه الصحيح وسيلفظهم كوادر حركة فتح في غزة ولأن أبناء حركة فتح لن يستقيم لهم الحال مع هذا المخرب المدمر لهذه الحركة وتاريخها وتجربتها، إنه يلعب لعبة اليأس وما هو مطلوب منه أن ينفذه كما هو ينفذ الآن في حكومة ما يسمى الوفاق الوطني تعليمات الاحتلال بخصوص وزارة الأسرى، وبخصوص التمسك ببعض الوزراء المطبعين والمكلفين بمهام تطبيعية في حكوماته السابقة مثل الهباش والمالكي.
لقد هرع محمود عباس إلى غزة مستقوياً بحماس أيضا وبالمأزق الذي تعيشه ليضعها في مربع مغلق أيضا وليطمح في تحالف مع حماس ضد القاعدة العريضة في حركة فتح التي لا تدين بالولاء لصاحب المزرعة وهو محمود عباس، فهل حماس ستساعد محمود عباس على مواجهة القاعدة العريضة في حركة فتح التي ترفض سلوك عباس التفاوضي والسياسي والأمني، وستسير معه للأمام من أجل تحقيق أهداف هذا الرجل الذي لا أصفه إلا بأنه رجل مريض، أم ستختار حماس الانحياز للصف الوطني ولوحدة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة للخروج من دائرة مرض محمود عباس ومؤثراته على الكينونة الفلسطينية بالتعاون والعمل المشترك مع شرفاء الضفة الغربية وشرفاء فلسطين في الخارج للقضاء على هذه الظاهرة المدمرة التي أصبحت تمثل أكبر خطر حقيقي على وجود الشعب الفلسطيني ووجود قضيته وحيوية برنامجه الوطني.