ليس أخطر على الأوطان من عدوٍ يحتل الأرض، إلا فسادٍ يحتل المؤسسات. فالاحتلال يسلب الأرض، أما الفساد فيسلب الدولة من داخلها، ويقوض ثقة المواطن، ويحول القانون إلى نصوص بلا هيبة، ويبدد الموارد التي كان ينبغي أن تكون سلاحًا في معركة الصمود والبناء.
لقد دفع الشعب الفلسطيني أثمانًا باهظة من دمائه وأحلامه ومستقبله دفاعًا عن وطنه، ولم يعد مقبولًا أن يواصل المواطن دفع فاتورة أخطاء الإدارة، وسوء استخدام السلطة، وضعف المساءلة، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع الخدمات، ويزداد الفقر والبطالة، ويشعر الناس بأن العدالة لا تصل إليهم بالقدر الذي يأملونه.
إن معركة الإصلاح ليست قضية إدارية هامشية، بل هي معركة وطنية بامتياز. فلا يمكن بناء مؤسسات قوية في ظل غياب الشفافية، ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية إذا بقيت الرقابة ضعيفة أو تأخرت المساءلة. فسيادة القانون لا تكتمل إلا عندما تُطبق أحكامه على الجميع دون استثناء أو تمييز.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إرادة سياسية واضحة تترجم إلى إجراءات عملية، تبدأ بتعزيز استقلال القضاء، وتمكين مؤسسات الرقابة، وحماية المبلغين عن الفساد، وترسيخ حق المواطن في الوصول إلى المعلومات، ونشر نتائج التحقيقات والأحكام القضائية وفق القانون، حتى يدرك الجميع أن المال العام خط أحمر، وأن الوظيفة العامة تكليف لا امتياز.
كما أن الإعلام الحر والمسؤول شريك أساسي في معركة الإصلاح، لأنه يسلط الضوء على مكامن الخلل، ويطرح الأسئلة التي ينتظرها المواطن، ويسهم في ترسيخ ثقافة المحاسبة، شريطة الالتزام بالمهنية والدقة واحترام الإجراءات القانونية.
إن الشعوب لا تفقد الأمل بسبب قلة الإمكانات، وإنما تفقده عندما تشعر بأن العدالة غائبة، وأن الكفاءة لا تُكافأ، وأن الفساد يمر بلا حساب. لذلك، فإن استعادة ثقة المواطن تبدأ من ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: لا أحد فوق القانون.
إن فلسطين، وهي تخوض معركة الوجود والحرية، لا تستطيع أن تتحمل جبهة داخلية مثقلة بالفساد أو ضعف الإدارة. فالإصلاح ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية، ومكافحة الفساد ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل التزام يومي يحمي المال العام، ويصون كرامة المواطن، ويعزز قدرة الوطن على الصمود.
إن التاريخ لا يخلّد الشعارات، بل يخلّد الدول التي انتصرت للعدالة، واحترمت القانون، وجعلت من النزاهة أساسًا للحكم الرشيد. ومن هنا، فإن مستقبل فلسطين لن تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه الشجاعة في الإصلاح، والجرأة في المحاسبة، والإرادة الصادقة في بناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، ويكون المواطن هو الغاية الأولى لكل سياسات الدولة.