الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عندما يصنع "القتيل" سرديته الخاصة

عندما يصنع "القتيل" سرديته الخاصة

تاريخ النشر: 2022-05-14 | 09:27

فراس حج محمد
فراس حج محمد

استشهاد شيرين أبو عاقلة، رحمها الله، مراسلة قناة الجزيرة القطرية، كان أبعد من استشهاد، موت، قتل، إنهاء حياة، التوقف عن العمل، سقوط الكاميرا، انعدام البث. انفجرت كل هذه الدلالات ليصبح الاستشهاد شهادة ساردة ببلاغة معجزة، والموت حياة لأكثر من هذه الحياة، والقتل ارتفاع ورمزية، وإنهاء الحياة صار يحمل حياة مؤبدة في القلب والوعي والذاكرة، كما أنه لم يتوقف عمل شيرين بمقتلها، بل ظلت تنقل الحدث، لقد نقلته وهي مسجاة تنظر ببصيرتها من علو نعشها إلى الجنود المتصاغرين المدججين بالحقد والموت، يحاولون عبثا إطفاء عين الكاميرا لتتوقف عن العمل، فلم يسقط النعش، ولم تكفّ الكاميرا عن فعلها، وبقيت معنا على الهواء مباشرة مراسلة الجزيرة من جنين ونابلس ورام والقدس حتى وهي تقوم حيّة في قبرها شاهدة شهيدة.

حالة شيرين أبو عاقلة من أكثر الحالات التي تفلتت من برودة الموت إلى ألق الحياة، حتى وهي توضع في سياق الاختلاف العقائدي، لم تكن إلا لتعلو على هذا الجدل التافه في توقيته، والتافه في عرضه، فالله لجميع مخلوقاته، والخلق كلهم عيال الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، وشيرين من عيال الله وكانت من أنفع الخلق لعيال الخالق. لم يكن أحد يعرف أنها "مختلفة" وهي مرابطة في المسجد الأقصى وفي ساحاته، وهي تدافع عن غزة وترفع شارة النصر وتقول: "يا رب احم غزة"، شيرين منا وفينا نحن الذين نحب فلسطين وتاريخ فلسطين، وشهداء فلسطين، وعظماء فلسطين، وزعماء فلسطين الحقيقيين، وشهداء فلسطين، كل الشهداء، ولذلك فإننا أحببنا شيرين وسنظل نحبها، لأنها أشرف من كل زعمائنا، وأنقى من كل مثقفينها المدجنين، إنها لا تقل شرفا عن غسان كنفاني وباسل الأعرج وأبو علي مصطفى ودلال المغربي.

شيرين أبو عاقلة أنهضت المتنبي من مرقده ليقول فيها: "ولو أن النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال"، نعم لقد فضلت شيرين على كثير من الذكور الساعين إلى السلامة والانزواء ليتمتعوا كما تأكل الأنعام فالنار مثوى لهم، وكان لشيرين الضوء والمجد والخلود.

كما أن شيرين أعادت أمير الشعراء ليقول في دمها المسفوك: "جرى في أرضها فيه حياة كمنهلّ السماء وفيه رزقُ"، وأعادت قول إبراهيم طوقان في الشهيد: "لا تسل عن سلامته روحه بين راحته".

لقد نجح استشهاد شيرين أبو عاقلة من أن يبعث الشعر القديم، كأنه لم يقله قائلوه إلا فيها وحدها، فكانت عالية في حياتها وعالية في مماتها المجازي الذي أكبر من الحياة ذاتها فصار كما ينبغي له أن يصير: "علو في الحياة وفي الممات لعمرك تلك إحدى المعجزات".

على الطرف المقابل، والنقيض لسردية شيرين أبو عاقلة، كان ثمة سردية هشة ميتة، تحاول أن تكون في جنين وفي القدس، لكنها لم تنجح، سردية تغتال الحياة والفرح، وتتمرد على كل ما هو قانوني لتصنع سرديتها البشعة المفضوحة في كل مرة بعين وقلب وفكر شرين أبو عاقلة.

تنجح شيرين أبو عاقلة بهذا "الموت" أن تردّ المحتل إلى مربعه الأول الذي لم يغادره منذ النكبة الأولى الكبرى عام 1948، تعيد له التذكير بحقيقته؛ صغيرا، محاصرا، وغبيّا، وتافهاً جداً، ويخبط خبط عشواء، ليتردى ويعتدي على النعش ليحاول إسقاطه، إنه تصرف- عدا أنه صبياني- فهو غير أخلاقي، لم تحترم تلك الكائنات العبثية جلال الموت الراقد في النعش، ليتحول النعش إلى فصل من فصول سردية شيرين المناضلة بنفسها، إذ يأبى الله إلا أن يتم نور شيرين ومقاومتها وسرديتها من لحظة أن عانقت ثرى فلسطين في جنين وحتى مثواها الأخير في روضتها الصغيرة في المقبرة التي ترقد فيها بسلام وأمان واطمئنان. وهكذا بكل هذه البلاغة البعيد عن الإنشاء الفارغ من المعنى تصنع شيرين أبو عاقلة سرديتها الخاصة لصفع بها وجوه المحتلين ووجوه العالم الحرّ الذي يدعي احترام القيم الإنسانية، فسردية شيرين هي الفاضحة لكل ما هو مزيّف في العالم أجمع.

رحم الله شيرين أبو عاقلة التي لن تموت، وإنما رحلت إلى حياة أخرى، لكنها ستظل معنا، لتقول كان معكم من فلسطين شيرين أبو عاقلة، بل لتظل تقول: أنا شيرين أبو عاقلة، ها أنا معكم من القدس، وسأبقى في القدس، وبالفعل لقد بقيت في القدس بسرديتها المشرفة والعالية التي تجعل الاحتلال مجرد هامش غريب وبسيط، سيزول يوما طال الزمان أم قصر. "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً".

×
أخبار
ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط