تاريخ النشر: 2016-09-17 | 00:05
تاريخ النشر: 2016-09-17 | 00:05
أزمة التعليم في مصر جميعنا نعلمها جيدًا، بكل ما تحمله من تفاصيل صغيرة، فكل بيت مصري يحمل جزءً منها في داخله؛ لأن كل بيت تقريبًا لا يخلو من طالب في مرحلة التعليم الأساسي.
الأزمة الأكبر التي يواجهها تعليمنا تكدس الفصول كل عام بما لا يقل عن 50 أو 60 طالب، في المدارس الحكومية، وفي بعض المدارس الخاصة توجد نفس المشكلة من التكدس إلا أنها أقل فقد يصل العدد مثلا إلى 30 أو 40 طالب، ومن هنا تحدث المشكلة الأكبر حين لا يجد المدرس الوقت الكافي لإعطاء ما في جُعبته من شرح مستفيض لتلاميذه، وبالتالي يخرج الطلبة من حصصهم غير مستوعبين لما تم تدريسه في الحصة، وتكون النتيجة لجوء الطالب إلى الدروس الخصوصية حتى يفهم المادة.
هنا يتحمل العبء الأكبر من الأزمة المدرس، خاصةً لوجود بعض المدرسين – لا أقول الكل – ممن يتعمد عدم بذل الكثير من الجهد في الحصة المدرسية؛ من أجل توفير طاقته للدروس الخصوصة، أو لغرض اضطرار الطالب إلى اللجوء إلى الدرس الخصوصي حتى يتمكن من هضم المادة جيدًا، كما أنه لا يُرهق نفسه كثيرًا في التواصل مع تلاميذه، ولسان حاله يقول "سأتواصل مع من ومن ومن" فالعدد ماشاء الله لا يمكن إحصاؤه.
لكني اليوم سأقدم نموذجًا للمدرس الذي نتمناه جميعنا، ونطمح في أنْ يكون موجودًا في كل مدارسنا دون استثناء، فلو وجد مثله حقًا لانضبطت العديد من المساوئ، ولظهر تعليمنا بشكلٍ أفضل مما هو عليه الآن، لأني مُقتنعة بفكرة، أنَّ العملية التعليمية قائمة في الأساس لا على اللوائح والقوانين فقط، بل على المدرس قبل كل شئ.
نموذج اليوم، أعرفه حق المعرفة، فهو شخصية قلما يجود الزمان بمثلها، يُعطي عطاءً بلا حدود، لا ينتظر المقابل المادي، ولا ينظر إليه، يَهمه أولاً وقبل كل شئ الطالب ولا شئ آخر سواه، يحاول بناء شخصيته، قبل توصيل المعلومة إليه، لا يبخل بوقته أبدًا عن طالبٍ أراده في أمرِ ما، لا يقفل بابه في وجه أحد، فالكل لديه سواسية، يستمع إليهم بحنان الأب، يُزيل أى مخاوف قد تكون بداخلهم عن مستقبلهم في مرحلة ما بعد التعليم الأساسي، فهم سيواجهون حياة جديدة عليهم في الجامعة، ولا يعرفون شيئًا عن ما هم مُقبلين عليه.
عندما يكون التدريس مقرونًا بالشغف، سيُصبح المعلم أبًا وصديقًا وأخًا لا محالة، سيبذل كل ما لديه وأكثر دون أن ينتظر عائدًا يعود عليه في المقابل، وستعم الفائدة على الطلاب جميعهم؛ لأنَّ الشغف حالة تُلقي دائمًا بظلالها على الغير، تُعطي نفحات إيجابية لا مثيل لها، ونموذجنا الذي أتحدث عنه، يعلم ذلك تمامًا، أتمنى أنْ أرى مُعلمينا في مثل شغفه، الحياة ستصبح مختلفة جد الاختلاف، القدوة مطلوبة في كل مجال، وهو خير قدوة ومثل يُحتذى به، فالعطاء دون مقابل نعمة كبيرة لا يمنحها المولى عزَّ وجل، إلا لمن يرضى عنهم فقط؛ لأنهم يظلون دائمًا سببًا بعطائهم لسعادة غيرهم.
أنْ يتذكرك تلميذك بعد إتمامه لمرحلة التعليم الجامعي، وبعد إنهائه لجميع دراساته، هدية عظيمة معنوية لا يفهم معناها سوى من يتعامل بكل قطرة في دمه، فالعطاء الذي لا ينضب يُعد نادرًا في زمننا هذا، ويجب أنْ تُكافأ على نُدرته حتى ولو طال الوقت، فما عند الله باقٍ، عندما تُعطي دون جزاءً أو شكورًا.
تحية لكل مُعلم زرع في داخل طلابه حبه، وتمنوا أن يتواصلوا معه، ويتذكروه بكل خير في حِلهم وترحالهم، وجزاه الله عنهم خير جزاء في الدنيا والآخرة، إنه على ذلك قدير، أنْ تُعلم لهو أمر هين ويسير، لكن أنْ تُربي وتَحتوي، وتَهدي إلى الطريق الصواب شباب في مرحلة المراهقة ويحتاجون إلى كل ذرة توجيه، لهي الرسالة التي من أجلها قال شاعرنا الكبير أحمد بك شوقي "كاد المعلم أنْ يكون رسولا".