تاريخ النشر: 2025-02-22 | 18:27
تاريخ النشر: 2025-02-22 | 18:27
غدًا، في مشهدٍ تختلط فيه الرمزية بالواقع، سيتمّ تشييع رجلٍ شكَّل بوصلةً لجماعةٍ، وعاصفةً على وطنٍ. ستُرفع الأعلام، ستُلقى الخطب، وسيُشيَّع معه إرثٌ ثقيل من السياسات التي كبّلت لبنان، وأقحمته في حروبٍ لم تكن يومًا حروبه، وصراعاتٍ أبعدت أبناءه عن بعضهم، وأبعدت الوطن عن نفسه.
نودّع اليوم زمنًا انشطر فيه لبنان إلى مشروعين: مشروع دولةٍ حلم بها أبناؤه منذ الاستقلال، ومشروع دويلةٍ فرضت نفسها بقوة السلاح، فتجذّرت كقدرٍ مفروض، تحكم وتحاسب، تخوّن وتعاقب، تُعلِن الحرب متى شاءت، وتصنع السلام كما يقتضي ميزان المصالح الخارجية. كان لبنان في هذه المعادلة مُجرَّد هامش، بل مجرَّد وقودٍ لصراعات أكبر منه، تُدار بقراراتٍ تصدر من وراء الحدود، وتُنفَّذ بأيادٍ لبنانية مأخوذة بوهم الانتصار.
لكن، كما لكل زمنٍ نهايته، فإنّ الغد ليس امتدادًا حتميًّا للأمس. غدًا، ونحن نشهد تشييع هذا الرمز، نسأل: هل يكون هذا الوداع وداعًا لزمن الدويلة؟ هل يُبعث لبنان من تحت أنقاض السيادة المصادَرة؟ هل يولد لبنان الذي تُمسك فيه الدولة وحدها بقرار الحرب والسلم، فلا يبقى جيشها متفرّجًا، ولا تبقى سياستها الخارجية مسخّرةً لخدمة مشاريع إقليمية؟
إنّ المقاومة الحقيقية للمحتلّ لا تكون في اختزال الوطن في بندقية، ولا في تحييده عن العالم باسم مواجهةٍ لا تنتهي، بل في إعادة بناء مؤسساته، وتعزيز جيشه، وصياغة رؤية وطنية تُعيد للبناني كرامته في وطنه، فلا يبقى رهينة اقتصادٍ متهاوٍ، ولا يعيش على أعتاب السفارات طلبًا للهجرة أو المساعدات. المقاومة الحقيقية ليست تلك التي تحوّلت إلى مشروع سلطويّ، بل تلك التي تجعل من لبنان بلدًا سيّدًا بحق، حرًّا بالفعل، قويًّا بالحقّ لا بالغلبة.
غدًا، قد يُشيَّع رجلٌ، لكنّ السؤال الأهم: هل نُشيِّع معه منطق الدويلة، ونتقدّم نحو الدولة؟ أم يكون هذا المشهد مجرّد فصلٍ آخر في مسرحيةٍ طويلةٍ من الانتظار، حيث يتبدّل اللاعبون، ويبقى النصّ كما هو؟
لبنان الجديد لا يُمكن أن يُولد ما لم تُقطع آخر الخيوط التي تربطه بماضٍ خنقه، وما لم يدرك أبناؤه أنّ السيادة لا تُجزّأ، وأنّ الأوطان إمّا أن تكون مستقلة، أو لا تكون.