تاريخ النشر: 2025-01-19 | 16:00
تاريخ النشر: 2025-01-19 | 16:00
في زمنٍ يتداعى فيه التاريخ والجغرافيا، وينهار فيه معنى الإنسانية أمام عجزٍ عالمي مخجل، تقف غزة شاهدةً على أبشع صور الانتهاك، حيث تُمزق الحياة بخناجر الظلم، وتُباع الكرامة في سوق المصالح. وسط هذا الجرح النازف، يُطل علينا بعض المغردين من الخارج، بأصواتهم الجوفاء وتعليقاتهم البعيدة عن الواقع، يوجهون الاتهامات، ويتهموننا بالجزع والانهزامية، لأننا فقط قلنا الحقيقة: ما حدث معنا ليس نصرًا، بل مأساة مكتملة الأركان.
فرحنا الوحيد؟ فرح لا يُفهم، هو أننا ما زلنا على قيد الحياة.
لكن، كيف يفهموننا وهم لم يعيشوا المحرقة؟
من خارج غزة، حيث لا طائرات تحوم فوق الرؤوس ولا أنقاض تُدفن فيها الأحلام، يجلسون خلف شاشاتهم يتحدثون عن "الصمود" و"النصر". يرون البقاء على الأرض بطولةً، ويتجاهلون الثمن الباهظ الذي دفعناه لنُبقي هذه الأرض على قيد الأمل.
النصر ليس شعارًا، بل حقيقة تُحسم بالدماء، النصر ليس قصة تُروى، ولا فلسفة تُفسر من بعيد. هو معادلة معقدة لا يفهمها إلا من عاش الخسارة وفقد الأحبة، من رأى الموت أقرب من ظله، ومن لم يجد متسعًا للحساب لأن كل ما يملك دفنه تحت التراب.
من أين تأتيهم الجرأة لتأويل معاناتنا؟ من منحهم الحق ليستخدموا الألم كوسيلة لتبرير رؤاهم الدينية أو السياسية؟ خسائرنا أكبر من أن تُعوض، ما حدث في غزة ليس قابلاً للتأطير في شعارات. الخسائر التي تكبدناها أكبر من أن تحتمل لغة الأرقام. أرواح أزهقت، أحلام طُمست، ومنازل تحولت إلى رماد. أي نصرٍ يمكن أن يعوض أمًا فقدت أبناءها؟ وأي مشروع وطني يمكن أن يُبنى فوق مدنٍ أُبيدت وجثثٍ لم تجد كفنًا؟
من لا يعيش الألم لا يملك الحق في تفسيره.
نحن هنا لا نبحث عن تصفيق العالم ولا عن مبررات فلسفية للتضحيات. نحن نبحث عن لحظة صدق؛ صدقٍ مع أنفسنا أولًا ومع واقعنا ثانيًا. من لم يعش تحت قصف الطائرات، من لم يسمع صراخ الأطفال أو يحفر بيديه في الأنقاض ليبحث عن أحبائه، لا يمكنه أن يتحدث عن الصمود أو يدعي فهمه، لأن غزة وأهلها لا تحتاج شعارات، بل تحتاج عدالة، ما يجهله هؤلاء المغردون أن غزة ليست بحاجة لمن يبيع لها أوهام النصر، بل إلى عدالة تُعيد لأهلها إنسانيتهم المهدورة. غزة تحتاج أن يُسمع صوتها الحقيقي، صوت الألم الذي يرفض أن يتحول إلى أداة في أيدي من لم يعايشوه.
عندما يُصبح الألم لغة، يجب أن يكون المستمع صادقًا.
هنا في غزة، نكتب قصتنا بدموع الأمهات وصرخات الأطفال وآهات الجرحى. ليست قصة نصر ولا حكاية صمود مبهر كما يروّجون، بل هي حكاية نجاة مؤقتة من موتٍ كاد يبتلعنا، ومن لم يعش المحرقة، فليصمت، لأن كلماتهم لا تُعيد لنا ما فقدناه، ولا تُطفئ نارًا ما زالت تأكل قلوبنا، فالنصر الحقيقي لا يحسم بالشعارات.
لكل من يبحث عن الحقيقة: انظر لها من منظور ابنائها ومن فظاعة واقعهم، ستجد الجواب.