تاريخ النشر: 2019-12-23 | 18:53
تاريخ النشر: 2019-12-23 | 18:53
كلّ يوم تستيقظ غزة المحاصرة على أخبار وأحداث جديدة، فتارةً تتحدث الأنباء عن هدنة طويلة الأمد، وتارة تصحو غزة على غارات المقاتلات الحربية لجيش الاحتلال، وتارةً تطلق الصواريخ من أرضها لتدوي صفارات الإنذار في مستوطنات محتلها، وبعد عامين كاملين مليئين بجولات التصعيد الكبيرة التي احتوتها تفاهماتٌ هشة بين المقاومة والاحتلال بوساطة مصرية ودعمٍ قطري، وبعد الحديث الذي دار عن هدنة طويلة الأمد، وفي ظل جولة ثالثة من انتخابات الاحتلال والحديث الذي يدور عن الاستحقاق الانتخابي الفلسطيني، يبقى السؤال الأبرز في جوف كل فلسطيني بغزة، بحكم ملامسة هذا السؤال لتفاصيل حياته اليومية، هل يستمر الحال على ما هو عليه؟ أم أننا أمام حرب رابعة؟ أم هل تكون هدنة طويلة الأمد؟
صفقة تبادل وهدنة طويلة الأمد
تحدثت الكثير من وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة عن وجود محادثات بين المقاومة والاحتلال عن صفقة لتبادل الأسرى وهدنة طويلة الأمد، وذلك بعد خروج وفد من حماس بقيادة هنية إلى مصر ثم إلى جولة خارجية، إضافة إلى وصول وفد من الجهاد بقيادة النخالة إلى مصر في نفس الوقت، حيث التقى هنية والنخالة في اجتماع عقد بينهما، وتربط دولة الاحتلال بشكل واضح بين أي حديث عن هدنة طويلة الأمد مع المقاومة في غزة بموضوع إعادة جنودها الأسرى لدى المقاومة، لذلك فالحديث عن هدنة طويلة الأمد مرتبط بالضرورة بصفقة تبادل للأسرى.
هذا الحديث عن هدنة طويلة الأمد يصطدم بعقبتين أساسيتين، الأولى أن سلاح المقاومة في غزة يعتبر معضلة كبيرة أمام أي تسوية سياسية تتعلق بالقطاع، حيث يطالب قادة الاحتلال بنزعه وتفكيكه، مع أنه بدأ يُطرح في الآونة الأخيرة مطلب أقل سقفاً بهذا الخصوص، وهو منع تعاظم القوة العسكرية للمقاومة، وفي كلتا الحالتين المقاومة وعلى رأسها حماس أبدت مراراً رفضها القاطع لأن يُطرح سلاح المقاومة على أي طاولة للمفاوضات بأيّ شكلٍ كان، وأن هذا الأمر غير قابل للنقاش أبدأ، بل أنّ حماس تسير حالياً على مبدأ الإعداد والتجهيز استعداداً للمعركة المقبلة، وهو ما يعيه الاحتلال جيداً ليصبح في حلٍ عن أي تسوية لا تتضمن حلاً لمعضلة "تعاظم قوة المقاومة العسكرية" التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً على أمنه، وهذا الذي أشار بعض الباحثين الإسرائيليين بوضوح حين عبّروا عن حماس بأنها لم تعد "مفسدة حفلات" فقط، وأنّ خطورتها اتسعت من قدرتها على تخريب العملية السياسية إلى تهديد مباشر على أمن "إسرائيل".
العقبة الثانية أمام الهدنة الطويلة هي الأزمة السياسية في دولة الاحتلال التي تتوجه لانتخابات ثالثة خلال أقل من عام، وفي ظل حكومة انتقالية ضعيفة برئاسة رئيس وزراء موجه له لائحة اتهام، من الصعب جداً اتخاذ قرار يتعلق باتفاق هدنة طويلة مع حماس، هدنة غير محسوبة النتائج أو خطوة في الاتجاه الخاطئ كما حصل حين انسحب جيش الاحتلال من قطاع غزة عام 2005 ولم يكن يتوقع أن تصبح غزة بمقاومتها خطراً حقيقياً على أمنه، كما أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد يتم تشكيلها ستكون مطالبة بموقف واضح تجاه تعاظم الخطر القادم من غزة، وجميع المرشحين الصهاينة يريدون أن يثبتوا أنفسهم أمام سكان الجنوب، فمثلاً جدعون ساعر منافس نتنياهو داخل حزب الليكود دعا في تصريح له إلى تفكيك البنية العسكرية التحتية للمقاومة، لأن خطر غزة يزداد حجمه بشكل كبير كما قال.
من جهة أخرى فإن هناك العديد من العقبات الأخرى التي تواجه تسوية أو هدنة طويلة مع المقاومة في غزة، فكل شخصية في دولة الاحتلال لديها أهداف وطموحات سياسية تسعى لتحقيقها، فوزير الدفاع بينيت كما يرى الكاتب الإسرائيلي "شلومي ألدار" ليس معنياً كثيراً بأن يضع توقيعه على تسوية مع حماس في غزة، لا من الناحية الأيديولوجية ولا السياسية، فهو يعلم أضرارها الحزبية عليه.
حرب رابعة!
لا يبدو أن المقاومة أو دولة الاحتلال لديهما رغبة لدخول أي حرب لا فائدة منها، فحماس تعي جيداً أنها لن تجلب إلا المزيد من الدمار على أهل غزة كما حصل بعد حرب 2014 خاصةً في ظل البيئة الإقليمية والدولية الداعمة للاحتلال، إضافة ًإلى أنها تسير حالياً على مبدأ "الإعداد وتأجيل المواجهة"، أما الاحتلال فقد خاض ثلاثة حروب على غزة لكنها لم تجدي نفعاً، فقد تعاظمت قوة المقاومة حتى وصلت في الجولات الأخيرة إلى ضرب صواريخ أكثر دقة وأكبر تأثيراً، إضافة إلى قدرات المقاومة الاستخباراتية العالية والتي تجلّت في عملية حد السيف، وأيضاً إن كان لدى الاحتلال خطط جاهزة لاحتلال غزة، فهو يشكك في جدواها إذ أنه لو استطاع احتلالها فسيفقد المئات من جنوده ويتكبد خسائر مادية وبشرية ثمينة، إضافة إلى معضلة أخرى تتمثل فيمن سيحكم غزة بعد احتلالها، فالاحتلال بالتأكيد لن يتحمل تكاليف حكم القطاع.
رغم أن المقاومة والاحتلال لا يريدان الانجرار للحرب لكنها قد تفرض نفسها في أي لحظة، فبالنسبة لنتنياهو أمامه خيارات ضئيلة لرفع أسهمه في معركته الانتخابية، وإلّا فسوف تزيد فرص محاكمته والزج به في السجن، لذلك من الممكن أن يحاول نتنياهو القيام بعملية اغتيال لرفع أرصدته كما حصل بعد اغتيال أبو العطا بدوافع سياسية مغلفة بطابع أمني، الأمر الذي كان سيجر إلى حرب طويلة تم تفاديها بصعوبة، لكنّ هذا الخيار ليس سهلاً بالنسبة لنتنياهو لأنه في حال أقدم على أي خطوة من شأنها إشعال المواجهة مع غزة، فإنه سيكون مُتهماً باللعب بمصالح دولة الاحتلال لأطماع انتخابية شخصية، لكن يمكن توقع أي شيء من رئيس وزراء على حافة المحاكمة بتهم الرشوة وخيانة الأمانة، لذلك يبقى خيار تنفيذ عمليات اغتيال وارداً.
الاحتمال الآخر لإمكانية اندلاع حرب هو موضوع اطلاق الصواريخ "بالتنقيط" تجاه مستوطنات الغلاف الأمر الذي يشكّل مشكلة لدى قيادة الاحتلال، ولدى نتنياهو شخصياً لأن المشاكل الأمنية لدى مستوطني الجنوب كانت سبباً مهماً لتدني حظوظه الانتخابية، وقد يتخذ نتنياهو هذا الأمر كذريعة إن أراد شن عدوان على قطاع غزة، أو في حالة أخرى قد تصعّد المقاومة اطلاق الصواريخ بشكل نسبي للضغط على الاحتلال في حال تنصله من تفاهمات التهدئة، الأمر الذي قد يدفع باتجاه تصعيد جديد يمكن أن يرقى إلى مستوى الحرب في حال حصلت تطورات ميدانية مؤثرة.
السيناريو الأرجح: جولات تصعيد ومعركة أمنية حتى مارس!
في الحقيقة تشكّل غزة معضلة كبيرة لدولة الاحتلال التي لا تتبنى سياسة واضحة في التعامل معها، لكنها منذ حرب 2014 يقوم تعاملها مع غزة على سياسة "المعركة بين الحروب" لضرب قدرات المقاومة كما يحصل في جولات التصعيد المتتالية، ويبدو أنه في غزة هناك علاقة طردية بين ازدياد التضييق واقتراب المواجهة، فبعد انطلاق مسيرات العودة مطلع 2018 وجولات التصعيد المتتالية عامي 2018/2019، توصلت المقاومة إلى تفاهمات مع الاحتلال لتخفيف الحصار عن غزة تتعلق بالكهرباء والمعابر والمواد التي يتم إدخالها إضافة إلى المنحة القطرية، وكلما حاول الاحتلال التنصل من هذه التفاهمات تشتعل المواجهة من جديد، وقد حاول الاحتلال مراراً فرض معادلات جديدة كما حصل في عملية خانيونس الفاشلة التي ردت عليها المقاومة بشكل قوي، وكما حصل عندما تم اغتيال أبو العطا في نوفمبر من العام الجاري.
في خضم الجولات العسكرية المتتالية والحرب الاقتصادية على القطاع، تستمر في الخفاء معركة أشد وطأة، ففي أزقة وشوارع غزة تدور معركة أمنية واستخباراتية بين أجهزة أمن المقاومة وأجهزة أمن العدو وعلى رأسها الشاباك و"أمان"، معركة العقول تلك تكشفت ملامحها في عملية خانيونس الفاشلة التي أدت لاستقالة وزير الدفاع آنذاك ليبرمان، والتي كان هدفها ضرب منظومة الاتصالات الخاصة بكتائب القسام، وتجلّت تلك المعركة أخيراً حينما نشر القسام فيديو "سراب"، الذي يوضّح سعي الاحتلال لضرب منظومة صواريخ المقاومة عبر تشريكها وإعطابها، وهذا فقط ما تم الإعلان عنه وتبقى الكثير من الحقائق مخفية، وهذا الإعلان المتتابع عن تفاصيل عملية خانيونس ثم فيديو "سراب" الذي نشره القسام يؤكّد على اشتداد المعركة الأمنية القائمة وتصاعدها.
هذه الحرب الخفية تؤكّد على أن الاحتلال يسعى جاهداً لمنع تعاظم القوة العسكرية للمقاومة من خلال اختراقها داخلياً، بدلاً من الدخول في حرب شاملة ضد قطاع غزة، وتؤكّد أن الخطر القادم يزداد حجمه يوماً بعد يوم، ما يُلزم المنظومة العسكرية والأمنية للاحتلال بإيجاد حلول لمعضلة غزة.
الحال في غزة متقلّب وغير واضح، وبما أنّ فرص الهدنة طويلة الأمد والحرب الشاملة ضئيلة –على الأقل في الوقت الحالي-، وحتى يتم اجراء الانتخابات الإسرائيلية في مارس من العام المقبل، يبقى السيناريو الأرجح هو استمرار حالة الشد والجذب بين المقاومة والاحتلال، واستمرار تنقيط الصواريخ مقابل استمرار التضييق الإسرائيلي المحسوب بشكل دقيق على القطاع حتى لا يؤدي للمواجهة، كما يحصل منذ عامين متتاليين بسبب غياب استراتيجية إسرائيلية واضحة للتعامل مع غزة، واتخاذ المقاومة سياسة اللعب على عامل الوقت والإعداد وتأخير المواجهة.