تاريخ النشر: 2025-01-01 | 15:10
تاريخ النشر: 2025-01-01 | 15:10
أين شجاعتُكَ الآن؟
إن كتابَ الليلِ مُخيفٌ
يقتلُ قارِئَهُ فتَشَجع
أنت غداً إحدى أوراقِ كتابِ الليل
ويقرؤكَ الجُهلاءُ الآتون
(مظفر النواب)
“لا شيء يكسرنا
فلا تغرقْ تماما في ما تبقى من دم ٍ فينا ..
لنذهبْ داخلَ الروح ِالمحاصر
ِ بالتشابهِ واليتامى..
يا ابنَ الهواءِ الصلبْ
يا ابن اللفظةِ الأولى على الجزرالقديمةِ”(محمود درويش)
"..اختارت غزة أن تنتصر لنفسها ولهويتها القومية والإنسانية،وأن تدفع مرة أخرى الأعباء الباهظة لتقاطع الجغرافيا مع التاريخ على أرض مأهولة بالزلازل.." ( الكاتب)
إننا الآن..وهنا أدركنا جميعا أنّ المقاومة الفلسطينية الباسلة قادرة على صد الهجمات الشرسة لجيش يعتبر من أعتى الجيوش في العالم إذ أنها أبدت شجاعة مذهلة في التصدي لدبابات وطائرات الموت الإسرائيلية،وهذا يعني أنّ إسرائيل عاجزة على وأد المقاومة الفلسطينية لا سياسيا ولا عسكريا،كما أنها غير قادرة على تشويه طابعها التحرري بالرغم من الإختلال السافر في موازين القوى العسكرية لصالح تل أبيب.
ومن هنا سقطت الأقنعة وظهرت إسرائل على حقيقتها في هذا الصراع كدولة عنصرية إستعمارية تمارس إرهاب الدولة بكل همجية وكأنّ لا عمل لها خارج ميادين الموت.
ماذا يعني هذا؟
هذا يعني أن الأرضَ الطّاهرة تُقاوم مع أهلها،وهذا ما يجري حاليًّا في غزّة،فالمُقاومة علاوةً على الشّجاعة والصّمود والاستِعداد،تملك الأرض وما فوقها وتحتها،والوقت لصالحها،فكُلّما طالت المُواجهات تفاقمت خسائر الغُزاة،واتّسعت دائرة الهزيمة.
الإنجاز العسكري الكبير الذي حقّقته “الخُبرات” الإسرائيليّة،والطّائرات الحربيّة الأمريكيّة المُتطوّرة،هو حصد رقاب آلاف الأبرياء المدنيين ليس من بينهم مُقاتل واحِد،بل حواليّ 8000 طِفل ورضيع،والعدد نفسه أو أقلّ قليلًا من النّساء،وتدمير المُستشفيات وقطع الماء والكهرباء، ووقف كُل إمدادات الطّاقة والطّعام.
قرار الحرب كان فِلسطينيًّا صرفًا،والانتِصار الكبير الذي تحقّق من جرّاء اقتِحام الحُدود والوصول إلى أكثر من 50 مُستوطنة وبلده في غِلاف غزّة المُحتل وأسْر 250 جُنديًّا ومُستوطنًا،بينهم جِنرالات كِبار،والصّمود طيلة عام ونيف في مُواجهة الجيش الذي لا يهزم،هذا الانتِصار كانَ فِلسطينيًّا أيضًا وغيّر كُل قواعِد الاشتِباك في المِنطقة،وفضح الخُنوع الرّسمي العربي،وأعاد الثّقة والأمل إلى أكثر من 400 مِليون عربي ومِلياريّ مُسلم وللمَرّة الأولى مُنذ ما يَقرُب من نِصف قرن من الهزائم والإحباطات.
وهنا أقول :
قد لا أجانب الصواب إذا قلت أنّ تلك المجازر المتنقلة وتلك الإغتيالات الوحشية وكل ذلك الدمار المرعب الذي لحق الفلسطينيين بقطاع غزة،أعاد إلى الأذهان المذابح الوحشية التي ارتكبها السفاح-غير المأسوف على رحيله-شارون في صبرا وشاتيلا حيث تطارده-في موته-أشباح جريمته ضد الإنسانية،ومن بقوا أحياء من المخيمين يطالبون بإدانته-وهو تحت التراب-أمام القضاء البلجيكي،وبالتالي إدانة إسرائيل وأعمالها الإرهابية التي التصقت بها إلى الأبد كما أراد وخطّط لها -محترفو القتل بتل أبيب-إلا أنّ كرة الثلج بدأت تتدحرج وأنّ مسألة حسم المعركة لصالح-الضحية-باتت مسألة وقت،وأنّ المراهنة الفلسطينية على هذا الإنجاز غدت عاملا إستراتيجيا قادرا بفعل الإرادة على إنجاز عزل سياسة بحر الموت التي -بشّر بها سيء الذكر-شارون الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني وتحقيق السلام المنشود والإستقلال المشرق على أنقاض سياسة الخراب.
ومن هنا بات واضحا أنّ المجازر والمذابح التي يشهدها قطاع غزة من شأنها أن تمنح السلطة الفلسطينية-هامشا-فسيحا لإعادة النظر في عملية السلام برمتها واستخلاص العبر من أحداثها ونتائجها لاسيما أنّ المخطّط الإسرائيلي كان واضحا في سعيه الحثيث إلى نسف-هذه العملية-وبالتالي محاولة خلق واقع خطير يعيد الإحتلال الإسرائيلي إلى قلب المدن الفلسطينية خصوصا إذا إستمرّت الإدارة الأمريكية في دعمها لهذا الكيان الدموي،دون أن يدرك”سيد البيت الأبيص المتعجرف بايدن”أنّ الحرب الأمريكية التي تخاض على الإرهاب هي في حقيقة الأمر حرب إرهابية على الديمقراطية وحقوق الإنسان وعلى حرية الشعوب بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.وهي في-جنونها-تصوغ معادلات زائفة تخلط بشكل مخاتل بين أي شكل من أشكال النضال التحرري والدفاع عن حقوق الشعوب من جهة و”الإرهاب”من جهة ثانية الذي غدا-الجواد الجامح-الذي يركض في المضمار الكوني دون أن يلجمه أحد.!
والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع :
هل يمكن أن يتحقّق التحرير من دون هذه المقاومة..؟
وكمحاولة للإجابة أقول:
إنّ المقاومة الفلسطينية في مختلف تجلياتها الباسلة غدت أمرا مطلوبا من أجل التحرير لا سيما أنّ القرارات الدولية عدا كونها جائرة،غير قابلة للتطبيق بسبب الرعاية الأمريكية للمشروع الإسرائيلي،وقد أثبتت التجارب في لبنان أنّ المقاومة استطاعت أن تحرّر أغلبية الأرض اللبنانية،بينما لم تتمكّن القرارات الدولية وعلى رأسها قرار 425 أن تحقّق شيئا،ولم تتمكّن الفترة الزمنية التي امتدّت 22 سنة من إحتلال إسرائيل للبنان أن تعالج تلك الأزمة المستعصية.
ومن هنا نقول أنّ الكفاح المسلّح هو الطريق الوحيد للدفاع عن النفس وتحرير الأرض وإستعادة المقدسات،كما أننا نرفض بشكل صارخ أن يكون هذا الكفاح المشروع مقدمة لإستدراج بعض العروض السياسية المحدودة التي تؤسس لمقايضة الكيان الغاصب ببعض المكاسب السياسية للفلسطينيين،ذلك أنّ عنوان التحرير هو الأساس ويجب أن يظل راسخا في الوجدان.
ما المطلوب؟
لئن راكمت المقاومة الفلسطينية عبر تجاربها ما هو مشرق من إرث نضالي يرتقي إلى الشهادة من أجل أهداف نبيلة في التحرّر الوطني والإنساني،فإنّ كشف الجوهر الذي قامت على أساسه هذه المقاومة المشروعة غدا مدخلا لتقويم التجربة برمتها عبر تحليل سياسي مفصّل.إلا أنّ النضال هدف عام ونشاط عام يخص كافة شرائح المجتمع الفلسطيني لاسيما في ظل العدوان الإسرائيلي الغاشم.وعليه فإنّ الشعب الفلسطيني مدعوّ لصوغ منهج استراتيجي واضح المعالم وقائم على أهداف دقيقة لعلّ من أهمها:
-التمسّك بالأهداف الوطنية وعدم الإقرار بالتنازل عنها،وما تحقّق عليه الإجماع من أهداف النضال الفلسطيني.
-إحداث الإصلاحات البنيوية الداخلية وفقا لما يتماشى مع المشروع الفلسطيني التحرري وبما يكفل تحقيق القدرة على الثبات والصمود والإستمرار على درب النضال حتى تحقيق الحرية والإستقلال.وهذا الأمر يتطلّب تفعيل آليات ديمقراطية حقيقية نتآى عن الإرتجال والمزايدة وقادرة على تصليب الخطاب الفلسطيني والإرتقاء به إلى مستوى الوعي السياسي الواعد.
-وقف مسلسل التنازلات الذي انطلق منذ مؤتمر التسوية في مدريد ومازال يتواصل..
وإذن؟
نحن نعيش إذا،أيامًا تاريخيّة،أو بالأحرى نعيش تصحيحًا تاريخيًّا،يفضح الاحتِلال وجرائمه والدّعم الأمريكي الغربي له،ويظهر الوجه المُشرّف للجينات العربيّة والإسلاميّة،ويعكس القُدرات الخارقة لرِجال المُقاومة الذين اختاروا طريق الشّهادة لتحرير الأرض،وحِماية المُقدّسات،واستِعادة الكرامة المهدورة بسبب جُبن القادة،ورُضوخهم المُهين للإملاءات الأمريكيّة،والهرولة إلى حِماية هذا العدو الذي لا يستطيع حِماية نفسه من جِنرالات غزّة خرّيجي أكاديميّات عزّة النّفس العربيّة والإسلاميّة الصّرفة..وأهم دُروسها ومراجعها “الجِهاد”.
لقد اختارت غزة أن تنتصر لنفسها ولهويتها القومية والإنسانية،وأن تدفع مرة أخرى الأعباء الباهظة لتقاطع الجغرافيا مع التاريخ على أرض مأهولة بالزلازل.
ولأنها اختارت بشكل طوعي أن تقبل ما شاءته لها أقدارها من أدوار،فقد أطلقت إثر سقوط فلسطين،أولى صيحات التمرد والعصيان،وقدمت في سبيل الحرية أغزر قرابين الدم،وأكثر التضحيات جسامة وسخاء.كما استطاع هذا الشريط الساحلي الضيق الذي تشغله المدينة والذي يعدّ أحد الأماكن الأكثر اكتظاظاً على الأرض،أن يلفت أنظار العالم بصمود أهله الأسطوري،ويصبح المجسد الأمثل لروح فلسطين العصية على الانكسار،وهو ما مكّنه في الوقت ذاته من أن يشحذ بالاستعارات والحدوس والصور الملحمية المعبرة مخيلات الشعراء
هذا القِطاع انتصر،ودخل التّاريخ بتضحياتة الجسام،ودعم أشقّائه في الضفّة الغربيّة وكتائبهم،واسترد بالتالي العزة في زمن الهزائم والإنكسارات..والأيّام القادمة حافلة بالمُعجزات..
والأيّام بيننا.
لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء..من حسابات المتعجرف -بايدن-.وأوهام وأراجيف متسلق شجرة الإستعلاء-سيء الذكر-نتنياهو-..