تاريخ النشر: 2019-05-06 | 06:06
تاريخ النشر: 2019-05-06 | 06:06
ما يحدث على أرض غزة من تصعيد وهدوء لا يخدم الأهداف السامية للمقاومة، لأن الأصل في العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي هي المواجهة وعدم الاستقرار، والاستثناء في العلاقة بين القاتل والقتيل هو التهدئة أو السلام الوهمي القائم على الوعود، وانتظار المزيد من الوعود، وعليه فإن تصعيد المواجهة بين المقاومة الفلسطينية في غزة مع العدو الإسرائيلي لا يجب أن تظل قرينة حدث بعينه، أو أن يرتبط التصعيد مع المحتلين بمدى الالتزام بما تم التوصل إليه من تفاهمات، فتعميم هذه المفاهيم للمواجهة مع العدو الإسرائيلي فيه تبهيت لمعاني المقاومة، وتصغير للتضحيات، وحرف لمسار الدم الذي يجب أن يشق طريقه في اتجاه تحرير فلسطين.
قد تكون الأوضاع العربية والإقليمية لا تسمح لغزة بخوض حرب طويلة الأجل، وهذا صحيح، ولكن الأوضاع الميدانية لا تسمح لإسرائيل بخوض حرب استنزاف أيضاً، والتورط في مواجهات غير مضمونة النتائج، وهذه ورقة ضغط في يد المقاومة الفلسطينية التي تراها الأمة العربية والإسلامية عملاً مقدساً، وهي تدافع عن أرض مقدسة، وتتصدى لأخطر عدوان لا يميز بين طفل وشيخ، ولا بين امرأة وبرج سكني، فالمقاومة في هذه الحالة ليست شرعية وقانونية وتتجاوب مع المواثق الدولية، المقاومة هنا واجب وطني وديني وأخلاقي وإنساني.
وبهدف تبهيت معاني المقاومة، وتشتيت مضامينها الروحية، حرص العدو الإسرائيلي في الفترة الأخيرة على الربط بين تصعيد المقاومة وتحقيق بعض المكتسبات الحياتية، فاتحاً بذلك الباب لبعض المشككين بأهداف المقاومة وغايتها النبيلة، فصارت المقاومة بالنسبة للحاقدين عليها بضع دولارات تقدمها دولة قطر العربية لغزة الأبية، وصارت المقاومة بالنسبة لبعض الخانعين بضعة كيلو مترات زيادة على مساحة الصيد في بحر غزة، وزيادة في عدد ساعات وصل الكهرباء، ونسوا أولئك الطاعنون بأهداف المقاومة أن وراء دخول الأموال القطرية لغزة انكسار إسرائيلي لشروط المقاومة، وانتصار فلسطيني بحد السيف.
وما كانت إسرائيل لتسمح بانكسار موقفها المتشدد من حصار غزة لولا المقاومة، ومع ذلك، ورغم اهمية ما أنجزته المقاومة في هذا الصعيد، إلا أن ربط المقاومة بمطالب حياتية ويومية فيه تبهيت للمهمة الكبرى التي تقع على عاتق المقاومة، وفيه ربط بين رغيف الخبز والهدوء، وهذا ما لا تسعى إليه المقاومة من التضحيات، وهذا ما لا يتمناه شعبنا الفلسطيني.
وإذا كانت المقاومة الفلسطينية قد نجحت في فرض كلمتها على عدوها الإسرائيلي ميدانياً، فإن الإسرائيلي هذا قد نجح في إشغال المقاومة في جولات تصعيد، يفضي معها الشد والتوتر إلى حالة الارتخاء، ليعود الوضع إلى الشد والتوتر من جديد، ثم الارتخاء ثانية، وفي تكرار هذه الحالة من الأخذ والعطاء، والارتقاء والانزواء يخفت بريق المواجهة القادمة التي بات المواطن يتوقع نتائجها مع وساطة مصرية، أو بعد ضغط مصري، يحول دون التصعيد، ويحول دون الوصول إلى مفترق الطرق الذي يفرض على الاحتلال أن يستجيب للمطالب الفلسطينية.
وما كان لمصر أن تتدخل للتهدئة حرصاً على سلامة المقاومة، هذه حقيقة يجب ألا تغيب عن بال أحد، فلا مصلحة لمصر ببقاء المقاومة، بل وجود المقاومة بحد ذاته على حدود مصر فيه التفاف على اتفاقية كامب ديفيد، وفيه تناقض كامل مع الموقف المصري من حل الصراع، ومن التجاوب مع مبادرات السلام المطروحة لحل القضية الفلسطينية بعيداً عن فعل المقاومة، والذي تسمى في عرف إسرائيل وأمريكا عنفا فلسطينياً، أو إرهاباً، من هنا فإن التدخل المصري لتحقيق التهدئة لا يصب في صالح الشعب الفلسطيني فقط، وإنما يخدم المصلحة الإسرائيلية.
إسرائيل أحرص ما تكون على التهدئة في هذه المرحلة، لا بسبب مهرجان الأغنية الأوربية فقط، ولا بسبب الاحتفالات بعيد الاستقلال، ولا بسبب الانشغال في تشكل الحكومة، إسرائيل بحاجة إلى التهدئة من منطلق عدم القدرة على حسم المعركة على الأرض، واستحالة احتلال قطاع غزة، لذلك فإن كل تهدئة في الوقت الراهن تخدم إسرائيل التي ارتضت أن تبيت مدينة تل أبيب؛ عاصمة الصناعة الإسرائيلية تحت رحمة صواريخ المقاومة، لذا فإن كل تهدئة لا تحقق رفع الحصار عن قطاع غزة بالكامل هي تهدئة منقوصة، لا تخدم مصالح الشعب الفلسطيني، ولا أبالغ لو قلت: كل تهدئة لا تنهي الاحتلال لغزة على أقل تقدير؛ هي تهدئة غير مكتملة الأركان، وتفتح الطريق لتصعيد جديد، ومن ثم وساطة مصرية، للتهدئة من جديد.
غزة المحاصرة الجائعة بحاجة إلى حسم، ولها القدرة على مواصلة مشوار الشد مع الاحتلال حتى النهاية، وهي قادرة على تغيير المعادلة القائمة، وفرض معطيات جديدة، تقوم على مواصلة رجم الاحتلال بشكل يومي ولو بحجر، ولو بحجر من القلاقل وعدم الاستقرار.