في الوقت الذي ما زال فيه أهلنا في غزة يلملمون جراحهم الدامية، ويقرؤون الفاتحة على مقابر شهدائهم الذين ما زالت جراحهم ندية تتسرب في أكفانهم ناصعة البياض، ويجلس أطفالهم على ردم بيوتهم التي ما زالت تدفن بعض شهدائهم، وتتأمل نساؤهم الأرامل امتدادات الدمار في كل مكان، فلا بيوت تسترهن؛ كي يرضعن الأيتام الباكين على صدورهن... اشتعلت عاصفة تصريحات أكلة ثمار غزة المدمرة، غزة الثكلى، غزة المنكوبة!! هؤلاء الذين يرشون السكر على الموت!!
كان من أبرز تلك التصريحات أن الصهيونية وزيرة العدل الإسرائيلية تسيفي لفني( ولا أعرف كيف تصل (قحبة) إلى وزيرة عدل) تحذر من موجة عنف جديدة بين إسرائيل وحماس؛ يعني تريد أن تذكرنا بإمكانية إقامة حرب جديدة على غزة بعد أن تصل الأسلحة الأمريكية الأكثر تطورًا إلى إسرائيل!!
وفي الوقت نفسه، صرح عضو حركة حماس الدكتور محمود الزهّار : أن حرب غزة الجديدة ستكون قريبًا في الضفة الغربية وفي الخليل تحديدًا!!
أما (أبو حمزة) الناطق باسم حركة الجهاد الإسلامي، فقد خطب في الاستعراض العسكري لسرايا القدس، فبين استعداد الحركة للحرب القادمة وتحرير فلسطين التاريخية ، وأثنى على أو شكر الدعم الذي قدمته إيران وحزب الله والسودان لحركة الجهاد الإسلامي في مواجهتها للعدوان الصهيوني... ربما كان الأولى به أن يخفي هذا الثناء والشكر احترامًا للمجازر والإبادة الجماعية التي ترتكبها إيران وحزب الله في سوريا والعراق!!
ولعل أخطر التصريحات ما صدر وسيصدر في شأن المصالحة الوطنية الفلسطينية ؛ فلا إسرائيل تقبل أن تتم المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، كما جاء في تصريحات الصهيوني نتنياهو وغيره... ولا حركة حماس تقبل أن تنفرد السلطة الفلسطينية بالمفاوضات مع إسرائل، في الأقل بما يتعلق بالهدنة الأخيرة لإيقاف الحرب على غزة.. ويبدو أنّ بناء المطار والميناء يعد من أولويات خطوات الهدنة بالنسبة إلى حركة حماس ، وآخرها بالنسبة إلى الكيان الصهيوني!!
والسلطة الفلسطينية بدورها تتحدث عن ثلاث خطوات مفاجئة لإقامة الدولة الفلسطينية: الأولى أن تتوجه السلطة إلى أمريكا لاستجداء الاعتراف الأمريكي بحدود دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967م، فإن فشلت هذه الخطوة– وستفشل حتمًا- ستتوجه السلطة إلى العرب لاستجداء موقف عربي مجهض تخاطب فيه هيئة الأمم المتحدة وتدعوها إلى مطالبة إسرائيل والضغط عليها لكي تنسحب من الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967م ، فإن فشلت هذه الخطوة أيضًا– وستفشل بالتأكيد- ستسعى السلطة إلى الانضمام إلى المحافل الدولية التي يفترض بها أن تجرّم إسرائيل بصفتها دولة احتلال للأراضي الفلسطينية المحتلةعام 1967...وفي هذه الحالة سينطبق علينا في فلسطين المحتلة المثل القائل :\" المجرب لا يجرب\"؛ تعبيرًا عن ملاحقتنا للعيار الصهيوني إلى أبعد من باب داره التي هي دارنا المحتلة!!
وكذلك، يعد من أخطر تلك التصريحات تصريح الرئيس الفلسطيني عن \"حكومة الظل\" الحمساوية في غزة ، التي -في رأية- لن تتيح المجال لحكومة المصالحة الوطنية الفلسطينية أو حكومة الوفاق الوطني؛ كي تباشر أعمالها في إعمار غزة وعودتها إلى ماقبل انقلاب حماس على السلطة في عام 2007م...!!
تبدو حكومة الظل في غزة حقيقة لا غبار عليها!! وذلك عندما نقارن الوضع في غزة بالوضع في جنوب لبنان ؛ إذ ليس للحكومة اللبنانية أي دور فعلي في الجنوب اللبناني، بفعل هيمنة حكومة ظل حزب الله!!
من هنا، يمكن أن نقترح – على سبيل السخرية- في سياق التشرذم الفلسطيني، أن تكون حكومة السيد إسماعيل هنية في غزة حكومة ذاتية تحت سقف السلطة الفلسطينية التي هي بدورها حكومة ذاتية في هيكل دولة الاحتلال الصهيوني!!
لم يفاجئنا تصريح الرئيس التركي أردوغان في حواره الأول مع قناة الجزيرة، وهو يعلن عن وجود اتفاق بين إسرائيل وتركيا بشأن رفع الحصار عن غزة، وقد وصل هذا الاتفاق إلى مرحلة توقيعه بين الطرفين، ولكن إسرائيل فاجأت تركيا باجتياح غزة!!
ما يعنينا من وراء كل هذه التصريحات وعصفها المتواصل أنّ التوجه الإسرائيلي في الهدنة الأخيرة لإيقاف الحرب على غزة ، هو أن ترفع من موجة تشرذم الوضع الفلسطيني أكثر فأكثر ؛ وهي تسعى فعليًا من خلال تنكرها الدائم للحقوق الوطنية الفلسطينية إلى جر الفلسطينيين إلى حرب مُدمِّرة ...وأمنيتها أن تقع الحرب الأهلية بين الفلسطينيين أنفسهم ، كما يحدث في سوريا والعراق وليبيا وغيرها !!
وحتى تُبعد إسرائيل أنظار العالم عن الاهتمام بالحقوق الشرعية الفلسطينية بعد الحرب على غزة، فقد افتعلت من خلال مستعربيها أو عملائها الحرب بين جبهة النصرة في سوريا وقوات الأمم المتحدة المرابطة في منطقة الجولان السورية المحتلة لحفظ السلام بين سوريا وإسرائيل!! وهنا لم يعد العالم يكترث بمأساة غزة... وبمعاناة الفلسطينيين من الاحتلال الصهيوني ومن تآكلهم داخليًا!!