سنوات مرت وإسرائيل تخطط لتخدير العرب والفلسطينيين عبر ما يسمى بالمفاوضات ، لتسرق الأرض شبراً شبراً دون أن ينتبه أحد لتلك المؤامرة الخطيرة ، ما حدث خلال العشر سنوات السابقة ونحن منقسمون ولا ندرك ما يحدث حولنا ، حتى ضاعت أراضي الضفة الغربية ، وغزة تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة ، بعد انقسام الفلسطينيين وتدهور حالهم ، وضياع بوصلتهم الوطنية ، ويتوج كل تلك المصيبة إعلان الولايات المتحدة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل ، ولا زالت تضغط علينا لنعود لمفاوضات باردة بليدة القصد منها المزيد من التغاضي حتى تنتهي قضية اللاجئين وحقوقهم .
فشلنا هذا لم ينتهي عند مفاوضات عبثية بل سلمنا مصالح قضيتنا للتفاوض حول مصالحة ، بل مصالحات ، تجربة المفاوضات لم ترشد متحاوري جولات المصالحات للصواب ، بل أثبتت أننا بارعون في صناعة الفشل ، ما يثبت أنهم من أرض منهكة واحدة ، ووطن محتل واحد ، وقضية تموت ، وملفات أنهكها البحث بل أشبعت دراسة وبحثاً إلا أنهم يتملصون كل مرة من إعلان الحل والصلح الحقيقي ، ويا ليتنا هنا وتوقفنا عن خذلان أنفسنا ، بل أخلفنا وعودنا وميثاق عهدنا الذي خط على ورق وبرعاية دولية ووسيط حل أزمة معبر رفح ، وسلم الحكومة زمام الأمور ، وأنهى صلاحية اللجنة الإدارية ، وصرف الرواتب ، ويتفاوض لحل أزمة ملفات سميت عالقة وهي ملف الأمن وموظفي حماس ، لكنا لا نريد إصلاحاً ، نريد أن نغرق أكثر ، وأن يتدهور حالنا أكثر وأكثر ، نريد أن نكون طعمة سهلة وسلسة .
خذلنا كل الوسطاء ، فلا معابر فتحت ، ولا حكومة تمكنت ، ولا حل الموظفين ولا تسلموا رواتبهم ، ولا أنهت اللجنة الإدارية عملها على أرض الواقع ، كل ذلك صنع أيدينا ، فإذا كانت المفاوضات محكومة بإجراءات دولية ، ومزاجات احتلال لأننا في صراع على الأرض ، ونحن نعلم أنها لنا ، وهم يحاولون إقناع الجميع أنها لهم ، لكن في حالتنا فنحن أمام مشروع وطني ، وبلد واحد ، وقضية واحدة ، وأرض واحدة وشعب منهك واحد ، وفي مواجهة احتلال واحد ، وكل ما لدينا الآن هو مواجهة إسرائيل ولإفشال مخططها في إبقاء الحال كما هو عليه ، وتكريس ما يسمى الانقسام ، لنبقى منهكين وأضعف من أن نواجهها حتى لو بأضعف الإيمان ، لكن العقل السياسي الفلسطيني المستعصي لم يبلغ بعد سن الرشد ، ولم يخرج من ثقافة التفرد ، والإقصاء ، التي تسود العالم العربي ككل ، وعدم الاعتراف بالشراكة التي يفرضها الفلسطينيون بكل أطيافه المتعددة وأحزابه وفصائله ، وحركة حماس لم ترحم تاريخها النضالي حين اختلفت مع السلطة وانفردت بغزة ، وحين بدأت جولات المصالحة ، كلاهما قتل الروح الوطنية ، حماس مصره على أن تشكل حكومة ظل ومسئولة عن الأمن ، ولم تخفي ذلك حين استدعت النشطاء ، وأوقفت فعاليات ، ومارست هيمنتها وسيطرتها ، وعنجهيتها وكأن أمر المصالحة لم يحدث ، والسلطة تريد العودة دون شريك ، أو منتقد ، أو معارض ، حتى الفصائل ليست في حسبانها ، وكأنها تقول لكل الأطراف أن هذا ما لديكم إما الموافقة على السلطة كحاكم يمثل فصيل أو تيار واحد ، أو لا مصالحة ، ولا عودة لغزة لنا .
المصالحة تحتاج لمساندتنا جميعاً ، وتحتاج لثقافة وعقل مستنير أكثر ، المصالحة تحتاج لأن نغض النظر عن تعصبنا ، واختلافاتنا وخلافاتنا ، فمهما كانت وبأي شكل لا يعني أن ندير ظهورنا واهتماماتنا لقضية الشعب الفلسطيني التي طالما اهتم فيها العالم كله ، فلنعطها اهتماماً يطول عظمتها ، وأهميتها ، علينا أن نؤمن بالشراكة ، والوحدة ، وأن لا وصياً علينا ولا على قضيتنا ، فلننقذ شعبنا ونحترم خياراته ، ونجمع شمله لا أن نفرقه ، نحن على شفا حفرة من الانهيار ، إن لم نستيقظ الآن سنستفيق على ضياع الأرض والعرض والمواطن .
الفرصة متاحة الآن ، والوفد الأمني المصري يحل ضيفا على غزة ، يتباحث لحل أزمة المصالحة ، نحتاج لأن نتذكر أن فتح قادت المشروع الوطني ، وساندتها الجبهة الشعبية ، والتقت مع حماس في النضال ، ثم الجهاد ، و أكثر من 11 فصيل وحزب فلسطيني ، كلهم كان هدفهم واحد هو الأرض وفلسطين والقدس عاصمة الأمة المقدسة ، وما اختلف قادتهم يوماً ، وعلمونا أن الشعب الفلسطيني شعب الإبداع ، هل كل ذلك لا يمنعنا من التعنت على رأي لا يزيد قضيتنا إلا وجعا !