تاريخ النشر: 2026-01-06 | 10:41
تاريخ النشر: 2026-01-06 | 10:41
تندرج قاعدة "عدو عدوي هو صديقي" في إطار التفكير الاستراتيجي المرتكز على المصالح المؤقتة، وقد شهد الشرق الأوسط العديد من الأمثلة التاريخية التي تظهر حدود فعاليتها. حالة مقتل جاسوس خائن - زعيم إحدى المليشيات في رفح المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي - تقدم نموذجًا حيًا لتعقيدات تطبيق هذه القاعدة في اقليم الدولة الفلسطينية . يمكن تحليل هذه (القاعدة) من عدة أبعاد كما يلي:
1. طبيعة التحالفات المتغيرة في الشرق الأوسط
-الولاءات القَبَلية والمحلية: غالبًا ما تتجاوز الولاءات في المجتمعات الشرق أوسطية الحدود السياسية أو المصالح الاستراتيجية المؤقتة. التعاون مع قوة خارجية (كإسرائيل) ضد عدو محلي (مثل حماس أو فصائل أخرى) يمكن أن يُنظر إليه على أنه "خيانة" للهوية أو القضية الجماعية وهي مقاومة الاحتلال، مما يثير ردود فعل عنيفة.
-تعدد الأعداء والتحالفات المتداخلة: في بيئة معقدة مثل قطاع غزة، حيث تتعارض الفصائل الفلسطينية أحيانًا، قد يرى البعض من الخونه أن التعاون مع إسرائيل ضد خصم محلي أمر مفيد. لكن هذا يتجاهل حقيقة أن إسرائيل نفسها قد لا تثق في هذا الحليف المؤقت، وأن الفصائل الأخرى سترى في هذا التعاون تهديدًا وجوديًا لها وخيانة للوطن وللقضية الفلسطينية.
2. محدودية القاعدة (عدو عدوي صديقي)
في الصراعات ذات البعد الأيديولوجي أو الهوية.
-في الصراعات التي ترتبط بها هويات دينية أو قومية راسخة (كالقضية الفلسطينية)، يصبح التعاون مع العدو الخارجي (إسرائيل) ضد خصم داخلي أمرًا شديد الحساسية. فالعامل الهووي يجعل "العدو المشترك" (مثل فصائل فلسطينية معادية) أقل خطورة من "العدو الخارجي" في نظر الكثيرين من القاعدة الشعبية حتى وان كان هناك انقسام سياسي بينهم.
مثّال المليشيات المسلحة المدعومة من طرف الاحتلال في قطاع غزة نموذجًا كحليف محلي لإسرائيل في سياق معقد، حيث استفادت إسرائيل من تعاون هذه المليشيات أمنيًا، لكن هذا جعلها هدفًا شرعيًا للتصفية في عيون فصائل المقاومة، وأضعف شرعيتها محليًا، حيث انها منبوذة من الشعب الفلسطيني .
3. عدم استقرار التحالفات المؤقتة
التحالفات القائمة على قاعدة "عدو عدوي صديقي" غالبًا ما تكون هشة لأنها تفتقر إلى أساس متين من المصالح المشتركة طويلة الأمد وانعدام الثقة بين الطرفين. وبمجرد أن يتغير موقف "العدو المشترك"، أو تظهر مصالح متضاربة جديدة، ينهار هذا التحالف.
مثال ذلك في نموذج المليشيات المسلحة في غزة التي تعمل مع الاحتلال، من المحتمل أن إسرائيل قدمت لها حماية محدودة، لكنها لم تستطع (أو لم ترغب) في حمايتها من الأعداء الداخليين الفلسطينيين الذين يعتبرون تصفية المتعاونين أولوية لديهم.
4. الدروس المستفادة من الحالة
ان الشرعية المحلية في قطاع غزة هي فوق الحماية الخارجية من طرف الاحتلال الاسرائيلي ، والقدرة على البقاء في بيئات معقدة مثل قطاع غزة تعتمد أكثر على الشرعية الداخلية والقدرة على تجنيد الحماية المجتمعية في المجال المحفوظ، وليس فقط على دعم قوى خارجية.
اما حول ثمن الخيانة والتعاون مع الاحتلال، ان التاريخ يظهر أن المتعاونين مع قوى الاحتلال غالبًا ما يواجهون مصيرًا عنيفًا بمجرد انكشاف أمرهم أو تغير موازين القوى المحلية. هذا يجعل قاعدة "عدو عدوي صديقي" محفوفة بمخاطر وجودية في السياق الفلسطيني.
مما يفضح إستراتيجية إسرائيل في استخدام العملاء، رغم استفادتها المؤقتة من هؤلاء العملاء والمليشيات، تدرك اسرائيل أنهم قابلون للاستبدال وأن حمايتهم الكاملة غير ممكنة في كثير من الأحيان. وهذا يُظهر محدودية التحالف من الجانبين.
5. تعميم على مستوى المنطقة
ليست حالة مليشيات المتعاونين مع الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة حالة فريدة؛ فالتجارب في لبنان وسوريا والعراق تظهر أن التحالفات المؤقتة مع أطراف خارجية ضد أعداء محليين غالبًا ما تؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتخلق عداوات طويلة الأمد، وتزيد عدم الاستقرار في منطقة النزاع.
مع الإشارة أن هذه القاعدة قد تنجح مؤقتًا في تحقيق مكاسب تكتيكية (كجمع معلومات أو تحقيق نصر محلي)، لكنها نادرًا ما تبني تحالفات استراتيجية مستقرة.
ختاما يمكن القول ان قاعدة "عدو عدوي صديقي" تفشل في الشرق الأوسط عندما تتجاهل العوامل الجوهرية مثل التمسك بالهوية الوطنية والدينية والاجتماعية المحلية، وتحديدا عندما تكون المصالح مؤقتة وهشة.
وربما نموذج مقتل العملاء والخونة المتعاملين مع الاحتلال يذكرنا بأن التحالفات التي تتخطى الخطوط الحمراء داخل المجتمع الفلسطيني مثل الهووية أو الوطنية، فإنها تكون قصيرة الأجل وخطيرة على كل من يتعامل ويتعاون مع الاحتلال الاسرائيلي،وفي النهاية، يبقى البقاء في هذه البيئات المعقدة مرهونًا بفهم أعمق للديناميكيات الداخلية أكثر من الاعتماد على معادلات تحالفية ظرفية.