تاريخ النشر: 2022-04-06 | 10:55
تاريخ النشر: 2022-04-06 | 10:55
كان من الطبيعي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ان تنعكس نتائجها على وضعية الدول الكبرى التي قادت الحرب وعلى تحالفاتها وإيجاد مجموعة من الإجراءات والضوابط وبما يضمن عدم تكرار حرب كونية أخرى، وكان للدور الأساسي الذي لعبته كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في هذه الحرب كبير الأثر في تراجع مكانة القوى العظمى القديمة
لصالح هاتين القوتين العالميتين اللتين اقتسما النفوذ في أوروبا مما أدى الي خلق حاجز معنوي عرف بالستار الحديدي وذلك نسبة الى تقسيم أوروبا الي كتله غربية بقيادة الولايات المتحدة وشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي وشرع كل منهما في تحديد مناطق نفوذه في اسيا وشمال افريقيا،
وبدأت بعد ذلك مرحلة التنافس بينهما على الساحة العالمية على شكل حرب بارده وهي ليست حرب فعليه، ولكنها حرب جواسيس سياسة وتخريب متبادل وحروب بالوكالة وتنافس في التسليح، وكرد فعل لعملية تقسيم العالم بين الكتلتين تم انشاء دول عدم الانحياز وهي مجموعة الدول التي اعتبرت نفسها حيادية بين الكتلتين الشرقية والغربية.
ونتائج الحرب كانت بمثابة بداية النهاية للاستعمار حيث تم منح الاستقلال لدول كثيرة حول العالم مثلا الهند من بريطانيا واندونيسيا من هولندا والفليبين من اميركا وكذلك الدول العربية التي كانت تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني ما عدا فلسطين التي أنشئت على ارضها دولة إسرائيل.
وكذلك تم انشاء الأمم المتحدة بديلا لعصبة الأمم التي فشلت في منع الحرب وانشئ مجلس الامن من الخمسة الكبار والذين تمتع كل منهم بحق الفيتو وهم دائمي العضوية في المجلس بينما اقر ان ينضم الى المجلس عشرة من الدول وعضويتهم لمدة سنتين فقط ويتم انتخابهم كممثلين للمناطق الجغرافية.
ولوقف نشر الشيوعية في العالم اقرت الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة بناء اوروبا الغربية واليابان، ومباشرة شكلت القوى الكبرى المتضررة في أوروبا الغربية (هيئة الفحم والحديد الأوروبي) والتي تطورت لاحقا الى (السوق الأوروبية المشتركة) ثم تطورت في نهاية المطاف الي الاتحاد الأوروبي، وكان الهدف من تشكيل الهيئة هو محاولة لتفادي نشوب حرب أخرى بين فرنسا وألمانيا وذلك عن طريق التعاون والتكامل الاقتصادي بين البلدين وسوق مشتركة للموارد الطبيعية الهامة. وقد حرصت الولايات المتحدة الأميركية على
ربط الاقتصاديات الأوروبية الغربية بالنظام الرأسمالي الأميركي وهو الامر الذي أدى الى تحقيق قفزات اقتصادية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا الغربية وبشكل اقل في إنجلترا.
وفي النهاية تم ترجمة اقتسام مناطق النفوذ في العالم الى حلفين عسكريين متضادين وهما حلف الناتو العسكري الذي أنشئ عام ١٩٤٩، ثم حلف وارسو الذي أنشئ عام ١٩٥٥ وظل قائما حتى نهاية الحرب الباردة عام ١٩٩١.
بسقوط الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١ انتهت الحرب الباردة وتم حل حلف وارسو، وانتهت معهم أسس النظام العالمي الذي أرسته نتائج الحرب العالمية الثانية وأصبح العالم احادي القطب يتمثل بالهيمنة الأميركية التي لم تفوت فرصة ضعف الدولة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لتفتح باب العضوية في الناتو والاتحاد الأوروبي لدول أوروبا الشرقية ،وذلك لتطويق روسيا ومنعها من استعادة الموقع الذي كان يشغله الاتحاد السوفييتي كقطب اخر شريك في إدارة شؤون العالم على الرغم من تعهد الولايات المتحدة بعدم توسع حلف الناتو شرقا.
لذلك فإن الحرب المشتعلة الان بين روسيا وأوكرانيا هي في الأساس حرب بالوكالة بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأميركية حيث تهدف روسيا الى العودة لاحتلال موقعها كقطب دولي وبالتالي من حقها وواجبها الحفاظ على مساحات جغرافية عازله تحمي من خلالها الامن القومي الروسي ، اما الولايات المتحدة فإنها لا تريد السماح لروسيا باستعادة هذا الموقع لأنها تريد استمرار هيمنتها على الجغرافيا الدولية كقطب وحيد وقد يكون أحد اهدافها أيضا الحد من العلاقات الاقتصادية المتنامية بين روسيا والاتحاد الأوروبي وخاصة في مجال الطاقة مع ملاحظة ان الاقتصاد الألماني وهو الأكبر أوروبيا هو ثاني أكبر شريك تجاري لروسيا بعد الصين .ويدل على ذلك الضغط الأميركي لإيقاف خط انابيب ستروم الثاني الذي ينقل الغاز الروسي لأوروبا.
مع بداية الحرب تبين ان الاتحاد الأوروبي وعلى الرغم من كل عوامل القوة التي يملكها لم ينجح خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في ان يكون مستقلا سياسيا، لذلك نراه اليوم مع الازمة الدولية في اوكرانيا تابعا للسيد الأمريكي وأن العقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا سيعاني منها كل العالم واولهم المواطنون الأوروبيين والامريكيين إضافة الى كونها بالمحصلة استنزاف للاقتصاد الغربي بشكل عام.
وثبت كذلك انعدام التأثير الأوروبي علي الولايات المتحدة الأميركية عندما التزم الفلسطينيون بمعايير القانون الدولي ونبذوا العنف والتزموا بمتطلبات السلام كما حددتها الرباعية الدولية وقرارات الشرعية الدولية ، ونظريا وقفت أوروبا الي جانب الفلسطينيين واعترفت بدولة فلسطين دوله غير عضو في الأمم المتحدة ، ولكنها فشلت في تغيير الموقفين الأمريكي والإسرائيلي ولم تستطع أوروبا تحريك عملية السلام في فلسطين التي هي مصلحة أوروبية بحكم الجوار الجغرافي ، وان دل ذلك علي شئ فإنما يدل عل هشاشة الموقف الأوروبي في السياسة الأميركية .
بحصول هذه الحرب تم خلط العديد من الأوراق على الساحة الدولية وانكشف زيف المواقف الغربية وازدواجيتها نحو القضايا السياسية والإنسانية على الساحة العالمية فهم ضد الاحتلال الروسي لأوكرانيا، ولكنهم يدعمون ويمولون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ويوفرون الحماية السياسية لممارسات الجيش الإسرائيلي الوحشية والعنصرية، ويتعاملون بعنصرية كامله مع اللاجئين حسب لون بشرتهم وعيونهم. والغرب بجناحيه الأوروبي والأميركي مضطر في وقت قادم للإجابة عن هاتين القضيتين خاصة وان العديد من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والنشطاء في مجال حقوق الانسان في العديد من العواصم العالمية ادلوا بالكثير من التصريحات الناقدة للقادة الغربيين على مواقفهم وتعاملهم مع القضية الفلسطينية وعنصريتهم في التعامل مع اللاجئين، قياسا بالطريقة التي تعاملوا بها مع الازمة الأوكرانية وذكروا في تصريحاتهم بالحروب التي خاضتها أمريكا في أماكن عديده وخاصة في العراق وتحت ذريعة أسباب ملفقة وكاذبه حسب اعترافاتهم.
ولا ضير هنا من التذكير بحرب الخليج الأولى عندما هب العالم المتحضر لنجدة الكويت بعد احتلالها من الجيش العراقي في الوقت الذي لم يتحرك فيه نفس هذا العالم المتحضر لفعل شيء لفلسطين التي يحتلها الإسرائيلي، ووجدت أمريكا نفسها مضطرة بعد هذه الحرب الى الدعوة لمؤتمر مدريد عام ١٩٩١. هل سيكرر الغرب هذا السيناريو ويجد نفسه مضطرا لفتح الملف الفلسطيني بعد ان تهدأ المشكلة الأوكرانية؟
ان تبدأ الحرب، يعني أيضا بداية عملية تحديد معالم النظام العالمي الجديد والتي لن تتوقف قبل الاتفاق الروسي الأميركي ضمن نادي الدول الكبار على تفاصيل الدور الروسي في الجوار الجغرافي او الإقرار دوليا بحيادية هذا الجوار.
الحاضرون الاساسيون هم الأقطاب الخمسة أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وأوروبا، وفي حين ان معالم كل من الدور الأميركي والروسي والصيني والبريطاني واضحة، فان الدور الأوروبي ستشوبه بعض الالتباسات، هل سيصطف الاتحاد الأوروبي وراء الموقف الأميركي ام بجانبه؟ هل سيكون موقف الاتحاد الأوروبي موحدا؟ ام ان بعض الدول الأوروبية ستري بعد هذه الحرب ان مصالح بلدانها مع الجوار الجغرافي وليس مع الضفة الأخرى للأطلسي، وإذا حصل ذلك هل ستفرض هذه المتغيرات التفكير باستقلالية أوروبا؟ بمعنى ان تقرر سياستها بناءً على مصالحها وقربها الجغرافي من روسيا. ما هو الدور الذي ستلعبه المانيا ، الاقتصاد الأكبر في أوروبا والدولة التي قررت للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية إعادة هيكلة سياستها الأمنية وتطوير ترسانتها العسكرية التي رصدت لها مئة مليار يورو.
كيف سيتعامل نادي الكبار مع الدول الإقليمية الكبرى في اسيا وافريقيا؟ هل آن أوان لإعادة النظر في تركيبة مجلس الامن الدولي وتعديل قائمة الدول دائمة العضوية والمتمتعة بحق الفيتو فيه.
منذ بداية القرن العشرين وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية تآمرت القوى العظمى على منطقة الشرق الأوسط وفرضت هيمنتها عليها وقسمتها ونهبت ثرواتها وسرقت مجتمعة ارض فلسطين واقامت عليها دولة غريبه ساعد وجودها على تنفيذ هدف الدول العظمى بتفتيت المنطقة وسرقة ثرواتها والهيمنة عليها، هل ستغيب منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى عن الطاولة التي سيعاد عليها ترتيب النظام العالمي؟ واذا لم تتمكن القوى الإقليمية الثلاث في منطقة الشرق الأوسط مصر وتركيا وايران من التواجد على هذه الطاولة، فمن سيمثلهم ويطرح قضاياهم ، وخاصة قضية فلسطين جوهر كل الصراعات في المنطقة على مدي المئة سنة الماضية.
من الطبيعي ان تتمنى شعوب المنطقة تحالف قواها الإقليمية الثلاث وبالتالي تستطيع مجتمعة ان توفر الحماية للمنطقة بأكملها وتؤمن لها فرص استخدام ثرواتها لصالح تنميتها وتطويرها، وستكون قادرة على تأمين الحل العادل لفلسطين وشعبها، ولكن ان اتفقت هذه الدول الثلاث ام لم تتفق فعلى القيادة الفلسطينية ان تفّعِل دورها وحضورها مع القوى الإقليمية والدولية علي قاعدة ان الولايات المتحدة الأميركية لن تفعل لفلسطين شيئا طالما هي لم تفعل عندما قدم لها الفلسطينيون كل شيء، لذلك يجب طرق أبواب القوى الأخرى الصين وروسيا وتعزيز العلاقة مع أوروبا طالما هناك احتمال بانها ستعيد النظر بناء على مصالحها كقاره في استقلالها عن الموقف الأميركي .
وقد يكون من الضروري ان يتم من خلال مصر كإحدى القوى الإقليمية الثلاث في المنطقة استحضار موقف عربي داعم لفلسطين يستند الى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
إذا لم تتواجد فلسطين من خلال قوى عظمى وإقليمية أخرى على الطاولة فلن نكون في تفاصيل اتفاقات المستقبل.