تاريخ النشر: 2019-04-14 | 22:02
تاريخ النشر: 2019-04-14 | 22:02
في كل يوم في وقت العصر كنت التقي بصديقي عمر ،كان بيته لا يبعد كثيرا عن بيتنا ..كنت أخرج انا وعمر لوحدنا نسير في الشوارع المتجهة شرقا نحو الخط الشرقي الذي يفصل قطاعنا عن الكيان الصهيوني كل واحد منا كان يحمل كتابه المدرسي في يده فلم يكن في ذلك الوقت من عام 64 من القرن الماضي سوى أيام قليلة على امتحان شهادة التوجيهي .. نظراتنا كانت طيلة الطريق الطويل لا تفارق صفحات الكتاب ولم يكن يلفت انتباهنا في بعض المرات إلا صوت عربات قوات الطوارئ الدولية البيضاء وهي تمر بجانبنا مسرعة باتجاه معسكراتها على خط الهدنة .. ومع غروب الشمس كنا نقفل صفحات الكتاب و نتحدث عن كل شيء عن الإذاعة المدرسية وتحية العلم الفسطيني ونشيد عائدون وكذلك يأخذنا الحديث في بعض الأحيان عن سينما الجلاء التي تعرض دائما آفلام الكابوي لرعاة البقر الأمريكية . .كان لعمر أحلامه الوردية التي يرغب في تحقيقها بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة .. قال لي ذات مرة ونحن نقترب من مقبرة الإنجليز قريبا من جبل الريس شرق غزة ؛ نفسي يا صديقي أن أصبح طبيبا مثل محمود ابن الشيخ خليل ..كان محمود ابن الحي قد حصل قبل عامين في امتحان الثانوية العامة على درجات عالية ليلتحق بكلية الطب في القاهرة .في ذلك الوقت كان قد أنهى ثلاثة أعوام وفي عطلة نصف العام الدراسي كان يستقل القطار من باب الحديد في ميدان رمسيس ويعود للقطاع وحين نلتقي به في الشارع يحدثنا عن القاهرة ونهر النيل والاتوبيس المزدحم والمترو ويحدثنا ايضا عن قاعة التشريح في الكلية وعن التخصص وسنة الامتياز .. قال عمر وبريق عينيه السوداوين توحي بأنه ينظر للمستقبل وللبعيد :محمود ابن الشيخ خليل ذو العينين الزرقاوين والشعر الأشقر الناعم المسترسل سيصبح طبيبا بعد أعوام وسيفتح عيادة له في شارع عمر المختار .. في ذلك العام 64 نجحت انا في امتحان الثانوية العامة ورسب عمر ليعيد السنه الدراسية مرة أخرى وعند قرب امتحان الثانوية العامة كان يخرج لوحده متجها إلى الخط الشرقي . .اما انا فقد التحقت بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وحين تخرجت عام 68 غادرت القاهرة إلى عالم الشتات في حين بقى عمر منزرعا في الوطن قريبا من الخط الشرقى ليطل منه دائما على الأرض المغتصبة عام 48 وحينما عدت إلى ارض الوطن بعد سنين طويلة قاربت الثلاثين عاما متواصلة لم انس صديقي في الثانوية العامة عمر .بقى بوجهه الأسمر وقامته المعتدلة ولون عينيه السوداوين البراقتين يطل أمام عيني كلما دخلت الفصل الدراسي لطلاب الثانوية العامة ..لا أدري لماذا كان كثيرا من طلاب الفصل يشبهونه. .كنت أطالع في وجوههم حين أدخل الفصل فاتذكر عمر ..فور وصولي إلى البيت قادما من معبر رفح سألت أبناء الشارع الذي نسكن فيه سويا عن عمر ..أين عمر ابن الشيخ خليل الذي رافقني في خطواتي إلى الخط الشرقي في أيام المرحلة الثانوية ؟ أين هو الآن ؟وماذا يعمل بعد في اللحظة الأولى من أبناء الجيران إلا الصمت ثم تعابير الحزن يكتسي الوجوه ..وهكذا علمت أن عمر الصديق الودود الذي كان الكتاب المدرسي لا يغادر يديه قد رحل ..قد استشهد قريبا من الخط الشرقي الذي كان يذهب إليه كثيرا ويحبه ...