ليست نزهة بسيطة المفاوضات بشأن الوضع في سوريا، لكن ظروفها اليوم تبدو مراعية للمصالح الحقيقية للشعب السوري، أقله مقارنة بما كان عليه الوضع مع انتهاء معركة حلب، عندما حاول فريق النظام وإيران متابعة الحسم العسكري، وشطب كل إمكانية للتسوية السياسية. هذا المنحى الإيجابي، أكده إعلان الموفد الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بأن «آستانة 2» قدم «مساهمة مهمة نحو تعزيز وقف النار، وخلق بيئة مواتية لإجراء مفاوضات تقودها الأمم المتحدة، بعد تحقيق تقدم في إجراءات بناء الثقة»... ما طَرح الأسئلة عن حجم وأبعاد المتغيرات السورية بشأن هذه البيئة المواتية.
وثائق «آستانة 2» التي أُقرت، وتبين أنها من مرتكزات التسوية السياسية، وجزء منها في آن، تضمنت تشكيل مجموعة العمل الثلاثية (روسيا وتركيا وإيران) بمشاركة الأمم المتحدة؛ لتؤكد الالتزام بوقف نار شامل وآليات مراقبته، والفصل بين المجموعات المسلحة المعتدلة والجماعات الإرهابية، مثل «داعش» و«النصرة»، إلى تبادل الأسرى والبحث عن المفقودين واستعادة الجثامين، مع تقدم في رسم خرائط انتشار المعارضة المسلحة والنظام، وعدم جواز أي تغيير فيها، إلى التزام القوانين الدولية لعودة طوعية آمنة للنازحين والمهجرين، والعمل على إعادة تأهيل المناطق المتضررة.
هذا الإنجاز يعني أن قطار التسوية في سوريا بدأ مغادرة محطة الانتظار، وهذا ما كان ليتم لولا تقدم منحى قادته موسكو، أولويته ضمان مصالحها الاستراتيجية في الإقليم والعالم، عبر تكريس حضور مهيمن وتوظيفه في التحكم في ممرات منابع الطاقة، دور منطلقه الجمع بين حماية النظام والإمساك بمفاصل قرار دمشق السياسي والعسكري، فضمنت ولاء أوسع أوساط العسكريين، وباتت الترقيات تُبتُ في «حميميم». يُفضي هذا المنحى إلى إعادة بناء جيش نظامي يُعيد جمع العسكريين مع ما أمكن من المنشقين و«الجيش الحر»، ودمج بعض الميليشيات في الجيش النظامي، والفيلق الخامس الذي يجري تكوينه هو أبرز النماذج. وكي تكتمل الصورة، جاءت المسودة الروسية للدستور، وبعيدا عن كل ما قيل فيها، والجميع تناولها درسا وتمحيصا؛ لتؤكد بما لا يقبل الشك أن التركيبة الحالية للنظام السوري ليست خيارا روسيا، فالمسودة تجنح لإقامة نظام ما بين برلماني ورئاسي، يضمن توزيعا تمثيليا آخر للسلطات، حتى إن المسودة تضمنت مادة بإنشاء صندوق سيادي لعائدات النفط والغاز المكتشفة في البحر، وهذا له دلالته.
الواقع أن انتهاء معركة حلب المفصلية في مسار الثورة السورية، أطلقت الاندفاعة السياسية، وأظهرت جدية روسية في تحقيق تسوية سياسية، هي بنهاية المطاف وسيلتها لجني أرباح حملتها العسكرية، والوقائع أثبتت أنه ما من جهة يمكنها تجاوز الدور الروسي أو السقف الذي رسمته موسكو لهذا المسار. والتسوية هنا، هي الممكن من وجهة نظر موسكو، وليست المرتجى الذي من أجله كانت تضحيات السوريين المؤلمة، كما أنها أقل بكثير مما يريده النظام ومعه طهران، التي تبجحت مبكرا بأن دمشق واحدة من العواصم الأربع الخاضعة لهيمنتها.
لقد استرعى الانتباه، أن الإعلان عن وقف العمليات القتالية بين النظام السوري والمعارضة المعتدلة، قد صدر عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، وأن رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف أعلن باكرا أن «جنيف 4» تكملة لـ«آستانة»، والمرجعية القرار الدولي 2254، و«نصح» بأن يكون «إطار الوفد المعارض واسع التمثيل شاملا كل الأطراف»، وجاءت التتمة على لسان الموفد الدولي، من أن جدول الأعمال مدرج في متن قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على: «إقامة حكم تمثيلي ذي صدقية يشمل الجميع، ولا يقوم على أسس طائفية» و«صوغ دستور خلال 6 أشهر، لإجراء انتخابات بموجبه خلال 18 شهرا».
انطلق هذا المنحى مع بداية حصار حلب، وبدء الاتصالات بين موسكو والمعارضة بشقيها السياسية والفصائل، وجاء اتفاق بوتين – إردوغان ليحدث نقلة كبرى عندما رسم الكثير من المسارات الحالية للخريطة السورية: تقدم لافت للدور التركي، وبروز علاقة ملتبسة مع الجانب الإيراني الذي بات نفوذه أمام تراجع حتمي. لكن المعارضة لم تكن الجهة المؤهلة للاستفادة، فكانت الغائب عن المشهد، تظهّر تشرذمها وتدني مستوى إحاطتها بالتطورات، ولم يبق لها إلا الصراع على تركيبة الوفد المفاوض، ليغيب ما هو أساسي، أي تفاصيل المفاوضات ومضمونها والرؤية لسوريا جديدة، فتمت محاصصة في تركيبة الوفد المتعدد الرؤوس والمرجعيات، رغم أن الثورة اليوم أمام مرحلة مغايرة بالكامل.
رغم تسارع المعطيات، من المبكر التأكيد النهائي، بأن الإمساك الروسي بكل مفاصل القرار قد اكتمل، وإلا كيف يمكن تفسير استمرار عمليات حربية وخروقات واسعة، من جانب القوى النظامية والميليشيات التابعة للحرس الثوري، تزامنا مع تقدم العملية السياسية. ذلك يكشف عن تباين كبير في الأجندات، ولا سيما مع طهران، وبالطبع مع رأس النظام السوري. لأن هذين الفريقين على دراية بأن التقدم في التسوية السياسية، يعني تآكل الأطماع الإيرانية الهادفة إلى تأبيد سيطرتها، وهي سيطرة تستند إلى استمرار القتل والتهجير والتدمير وبقاء الأسد في الحكم.
مع ذلك، تمضي موسكو في إنجاز الخطوات، وقد نشهد أكثر من «آستانة». فروسيا التي ضمنت أدوار قِوى أساسية في الفصائل المسلحة والمعارضة السياسية، وتوافقات إقليمية جدية، وغياب كل معارضة علنية من جانب طهران، تدرك وهي تستعجل التسوية التي تكرس ما كسبته في الحرب، أن الإنجاز لن يكتمل من دون الأميركيين، لكن إدارة ترمب حتى الآن لم تبلور بعد رؤية كاملة، ومعروف أن الرؤية تعدها إدارة متكاملة، ويستحيل أن تُرسم بتفاصيلها من خلال تغريدات على «تويتر»، ولو كان مطلقها الرئيس الأميركي بالذات، الذي يدعو إلى إعادة النظر بالاستراتيجية الأميركية لمحاربة «داعش»، وربطها بالحد من النفوذ الإيراني.. ولربما كان ذلك المؤشر للصفقة الكبرى في نهاية المطاف.
عن الشرق الأوسط