تاريخ النشر: 2018-06-27 | 09:50
تاريخ النشر: 2018-06-27 | 09:50
«من يطلق النار بمسدسه على الماضي، يطلق المستقبل نيران مدافعه عليه».. تذكرت هذا القول للكاتب والأديب الداغستاني رسول حمزاتوف، وأنا اقرأ ما قاله جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب وصهره في مقابلته مع «صحيفة القدس»، عندما اتهم الرئيس عباس ( 82 عاماً) بأنه يعيش في الماضي، وأنه يراهن على المستقبل، أي ما بعد عباس، وهدد بنشر نصوص «صفقة القرن» علناً إذا واصل رفضه لها.
ما نفهمه من كلام كوشنر هو أن إدارة ترامب ستطرح خطة «صفقة القرن» وستعمل على تنفيذها، سواء وافق عليها الفلسطينيون أو رفضوا، هكذا من دون أي اعتبار لا للحقوق ولا للقرارات والقوانين الدولية، ولا حتى للجوانب السياسية والأخلاقية. فهي تريد من الفلسطينيين أن يشطبوا تاريخهم من قواميسهم وأن ينسوا ماضيهم وكل تضحياتهم، بما في ذلك مئات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والمعاقين، وتعتقد أن الذي يحول دون ذلك هو عدم انخراط عباس أو قيادة السلطة في الصفقة المنتظرة، مع أن الإدارة الأمريكية تدرك أن عباس هو أكثر من سعى وراهن في الشعب الفلسطيني على التسوية السياسية إلى حد جعله ينسى كل الخيارات الأخرى.
لكنها لا تريد، عن قصد أو غير قصد، أن تدرك أن المسألة هي قضية وطن مغتصب وحقوق ومقدسات وشعب اقتلع من أرضه ودياره، واستجلب مستعمرون من شتى بقاع الأرض لإحلالهم في مكانه، وبالتالي فالمسألة لا تتعلّق بقبول عباس أو السلطة من عدمه للصفقة التي يبشّر صهر ترامب بأنها ستضمن حياة سعيدة للفلسطينيين، وإنما تتعلّق بالشعب الفلسطيني بأسره من أول طفل فيه حتى آخر شيخ في مخيمات اللجوء، والذي يرفض «صفقة ترامب» وإغراءاته الإنسانية والاقتصادية.
وبالتالي فإن «صفقة القرن» لن تمر مهما كانت الضغوطات، لأن الشعب الفلسطيني ليس نبتاً شيطانياً، أولاً، ولا هو «هنود حمر» الشرق الأوسط، ثانياً، ولأنه ثالثاً ورابعاً لا يزال مغروساً في هذه الأرض إلى جانب أشجار الزيتون والتين والرمان والبرتقال، ولأنه يفضّل ألف مرة أن يبقى حاملاً لمفتاح العودة إلى بيته، مهما طال الزمن، على كل إغراءات «الصفقة»، ولأن له، في نهاية المطاف، إرثاً نضالياً لا يملكه غيره من شعوب الأرض، وباعاً طويلاً في الكفاح، قادراً على قلب المعادلة القائمة حين تحين الظروف المناسبة.
ومن المفيد التذكير هنا، أن سياسة القوة والغطرسة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، هي التي ستحول دون تمرير «صفقة القرن»، لأنها نسفت مسبقاً أساس شروط أي تسوية سياسية، عندما تحدّت العالم والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وقرّرت الاعتراف بالقدس عاصمة ل «إسرائيل» ونقلت سفارتها إليها، وبدلاً من التخلي عن سياسة الضغوط والإملاءات، ها هي تمعن في تجاهل حقوق أصحاب الأرض الشرعيين، وبالتالي فإن الصفقة لن تمر.
عن الخليج الإماراتية