تاريخ النشر: 2017-09-09 | 18:07
تاريخ النشر: 2017-09-09 | 18:07
تقوم المقاربة الاستشراقية اليوم في موسم التسويات السياسية والمراهنات الإقليمية والدولية، على بقاء المصالح الخاصة يكل طرف، كونها المرجعية والحاكم الفعلي للتحولات والتطورات القائمة والمحتملة، في وقت تبدو المقاربة الراهنة في سورية تتجه لبقاء الأسد "سيدا" ولو بدون "سيادة" للسلطة التي يجري إحلالها محل الدولة، بدعم مزدوج من روسيا وإيران والميليشيات الطائفية المختلفة.
هذا هو "طريق التسوية" السورية الذي خططت له دوائر استراتيجيات النفوذ الذي فازت به روسيا ونجحت في رسم مآلاته النهائية، منذ بدء دخولها على خط الأزمة السورية، بالترافق مع العمل على استعادة النفوذ الروسي في منطقة اعتبرت تقليديا أبرز "مغانم" هيمنتها منذ أيام الحرب الباردة، وصراعاتها على النفوذ الاقليمي والدولي، وها هي تؤكد في سورية، ما لم تستطع أن تؤكده في الصراع العربي مع إسرائيل، حيث بقيت تمسك بالعصا من الوسط، من دون انحيازها المعلن لدعم الطرف الفلسطيني، ما أبقى التسوية على الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية مجردة من عناصر أي قوة تصطف إلى جانب الحق الفلسطيني، لا عربية ولا إقليمية ولا دولية، الأمر الذي قاد الوضع الفلسطيني إلى مزيد من التفتيت والإضعاف، وبالتالي الاجحاف بحق نفسه وبحق قضايا المفاوضات المتروكة على قارعة تسوية لم تتم ولن تتم في هكذا شروط، عمادها التفكيك والتفتيت، وحتى التشكيك فيما بين أطراف الصف الوطني المختلفة.
في المقابل يبدو أن المقاربة الكولونيالية، لا تختلف في رؤيتها لمصالحها الاستعمارية إزاء إسرائيل ودورها الوظيفي في هذه المنطقة، خاصة في ظل وجود إدارة أميركية ترى في وجود إسرائيل "ظلها العالي" الذي لا تقبل بأي تأثيرات تعمل لحجبه من أجندات ووقائع السلوك الاستعماري، وهو يتجه نحو شعبوية عنصرية باتت تؤكد عبر مسلكياتها الفاشية، وكأنها تخوض حربها "الهارمجدونية" وفق خرافات التدين الخلاصي الأكثر اسطورية وكولونيالية في عصرنا الحديث.
في ظل هذه الأجواء واضطرابها السياسي والأمني، واتفاق جميع الأطراف المعنية بأزمات المنطقة، لم تعد دول الغرب في صدد التأكيد على رحيل بشار الأسد عن السلطة، وهي تشهد تحولات في مواقفها الرسمية وخضوعها لمنطق ابتزاز النظم الاستبدادية التي عملت وبإجهاد على تصوير ذاتها وكأنها تواجه الإرهاب إلى جانب القوى التي تحاربه فيما هي من صنائعه، وفي هذا السياق لفتت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها إلى أن الجو السياسي العام السائد في الدول الغربية المعنيّة بالأزمة السورية، يؤشر إلى "التخلي عن موقفها ومطلبها الدائم بتنحي بشار الأسد"، وتحولها إلى موقف "يقبل حتى بترشح الأسد في أي انتخابات رئاسية مستقبلا". وكما عير مصدر دبلوماسي غربي، فإن هذه التحولات في الموقف "تعكس رؤية براغماتية واقعية، بحيث أن مسألة بقاء الأسد في السلطة، لم تعد مقدمة لأي محادثات".
فهل تعب الغربيون قبل أن يتعب وينهك نظام الأسد، بفعل الدعم الروسي والإيراني؟ ومن يحاسب هذا النظام على جرائمه التي ارتكبت على الأقل منذ العام 2011، أم أن عالم العولمة الراهن والأنظمة الشعبوية العدمية، وهي تقبل "التساهل" مع جرائم الحرب، و"التسامح" مع أنظمة الاستبداد، لم تعد أكثر مسؤولية وجدّة في ما يترتب عليها من مسؤوليات البحث عن العدالة والمساواة، والانتصار لقيم الحقوق الطبيعية والمكتسبة، ومعاقبة إرهاب الاستبداد السياسي الحاكم، إلى جانب تصفية عصابات الارهاب الإجرامية كداعش والنصرة القاعدية وأضرابهما، سواء بسواء؟.
وإذا كان هناك من ضرورة لتسوية سياسية، باتت تقتضيها الأزمة السورية، فهذا يالتأكيد ما لا يبرر على الإطلاق، عودة إطلاق يد النظام الأمني، في ظل تغييب السياسة واستبعادها عن كامل أجندات التسوية، وإعادة فرض سلطة نظام، لا تمت بأدنى صلة للدولة ومنطقها، فالهم الروسي للحفاظ على الدولة، لا يبرره ابتلاعها سياسيا وعسكريا من قبلهم، كما ومن قبل النظام الإيراني وميليشياته، فالسيادة الوطنية لا تقوم على القبول الخارجي من دون القبول الداخلي ودعمه وطنيا، لا طائفيا أو مذهبيا، والاستمرار في لعبة التحولات الديموغرافية وهوياتها القاتلة.
يبقى أخيرا التساؤل المحوري حول مستقبل سورية سياسيا ومجتمعيا، بدلالات الأهداف التي سعت ثورة الشعب السوري إلى تحقيقها: الحرية والكرامة والمواطنية والمساواة الكاملة بين مكونات الوطن السوري بفئاته الوطنية والأهلية والإثنية والعرقية، الأمر الذي يتطلب وجود نظام ديمقراطي منتخب، لا تفرضه المعادلات والمعطيات الاقليمية أو الدولية، في ظل سياسات الغلبة والإكراه الأمني في الداخل، ولكن قبل كل شيء، يتوجب تحديد استراتيجية وتكتيكات البرنامج الواقعي لقوى المعارضة السياسية والشعبية، وضرورة تمييز ذاتها عن قوى الإرهاب والتطرف لعزلها وعدم التماهي معها في أي شكل من الأشكال، وصولا إلى الاتفاق على تفاصيل وطبيعة الدولة الوطنية التي يراد لسورية أن تكونها، قبل أن تتحول المصالح والرغبات الاقليمية والدولية، إلى وقائع استبدال الدولة بالانحياز إلى السلطة الأمنية، للابقاء عليها سيدة سلطة تفتقد كل مقومات السيادة.