تاريخ النشر: 2015-10-30 | 23:39
تاريخ النشر: 2015-10-30 | 23:39
لقد أجمع الكتاب والمفكرين السياسيين علي تعريف الحزب السياسي بأنه عبارة عن تنظيم يضم مجموعة من الأفراد لها تصور فكري مشترك ،تعمل علي تعبئه الرأي العام لصالحها من اجل الوصول الي السلطة والاحتفاظ بها . واما في الحالة الفلسطينية فلقد كان جوهر النشأة للأحزاب التاريخية الفلسطينية قائم بالأساس علي الفكر الثوري التحرري فلم يكن فكرة الوصول للسلطة هي الهدف او الغاية . وإن كانت فكرة الوصول للسلطة لا تمثل الفكر الانتهازي في جوهر الفكر السياسي وكذلك في مبادئ العقد الاجتماعي في العالم المتحضر ،بل هي سعي جاد لتقديم افضل الخدمات للمواطنين في الإطار التنافسي الحزبي بالحياة الديمقراطية بمعناها الحقيقي .
وان كانت الأحزاب الفلسطينية ذات النشأة التاريخية خاضت مراحل التحرر ما قبل توقيع اتفاق اوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية. فلقد مرت هذه الأحزاب في حالات من الصراع والتنافس وحالات اخري من التوافق والتوحد ،فكل هذا كان في إطار جامع مانع وهو الإطار الفكر التحرري والمبني بالأساس علي توحيد وتوجيه بوصلة الصراع مع دولة الاحتلال ،بالإضافة الي القناعة الراسخة لذي جميع الأحزاب بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني . ووصولا لاتفاق اوسلو ،حيث تشير المادة الثالثة من الاتفاق علي ضرورة إجراء انتخابات عامة ومباشرة لاختيار اعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني ، فمنذ هذه اللحظة دخل المفهوم الحديث للحياة الحزبية الفلسطينية ،فبتوقيع اتفاق السلام اوسلو دخلنا في مرحلة الجدل في التحول الفكري حول الصراع مع دولة الكيان ومفهومة وطبيعته فيما بين الاحزاب الفلسطينية ، ولكن برغم كل هذا فقد مارست هذه الأحزاب الدور الطبيعي وفق للمنظور المدني للحياة الحزبية وليس للمنظور الثوري بما في ذلك الأحزاب الرافضة لتوقيع الاتفاق اصلا لدرجة ان حركة حماس لم تستطع ان تكبح شهيتها في المشاركة في العملية السياسية والوصول للسلطة ،فحاولت ابتداع نموذج مشاركة عبر أحزاب مقربة منها " حزب الخلاص" لولا حداثة توقيع اتفاق اوسلو مع دولة الاحتلال لما كان يتعارض مع أيدولوجيتها في حينه ،وصولا للانتخابات التشريعية الثانية 2006 وقبول جميع الأحزاب الفلسطينية بخوض الانتخابات التشريعية بسقف اتفاق السلام اوسلو عدا حركة الجهاد الإسلامي ، بذلك حُسم الجدل للأحزاب التاريخية حول إطار التنافس والصراع الحزبي المبني علي الأفكار الثورية التحررية أم الوصول للسلطة والاحتفاظ بها ، فجميع هذه الأحزاب ارتكزت دعايتها الانتخابية علي تمجيد تاريخها النضالي والكفاحي التحرري ما قبل اوسلو من جانب ومن جانب أخر قائمة علي تقديم الوعود للمواطن الفلسطيني في خدمات أفضل من ما قدمته حركة فتح في تجربة الحكم السابقة ،ولصناعة الرأي العام الداعم لها المبني علي الوعود التي وصلت الي تخفيض ودعم السلع الأساسية كما في الدول ذات الاقتصاد الحر " وعود حماس عن اسعار غاز الطهي.
إذا في الفهم العميق لكل حزب علي حدا فقد مارس الجميع ما يشرع وما لم يشرع دينيا ووطنيا من اجل الوصول للسلطة .حتي وصلنا الي ما وصلنا اليه من الانقسام والصراع علي السلطة ، سلطة بقطاع غزة شرعيتها البرلمان حسب وجهه نظر حماس , و سلطة في الضفة شرعيتها الرئيس بحسب وجهه نظر فتح ، السؤال الجوهري محل الاهتمام عن طبيعة وتركيبة باقي الأحزاب الفلسطينية ، لماذا هذه الأحزاب تتجاهل وتتهرب من دورها المعارض وممارسة المعارضة بمفهومها السليم ؟ ليس للأفكار والمعتقدات الثورية التحررية من قضية الصراع مع الاحتلال ، وإنما بما يخص طبيعة الحياه المدنية وما يواجها المواطن من قضايا حياتية يومية ، فإذا كان الفشل الذريع لكل من حماس وفتح في إدارة السلطة في الوصول الي تلبية تطلعات وأمال المواطن الفلسطيني علي الصعيد الوطني والشخصي في تحقيق الوحدة الفلسطينية والخروج من الأزمات الداخلية هو سيد الموقف من وجهة نظر اليسار والمعارض، فإنه لم يعد هذا الدور التي تمارسه المعارضة مقبول وشعبيا ووطنيا في كل من غزة والضفة في التعامل مع كل طرف علي حدا .وان كنت اراه انه اقتصر علي تصريحات تؤيد كل طرف من اطراف الانقسام علي حدا ، بمعني اذا حركة حماس في غزة قالت لا للتنسيق الامني في الضفة يكون موقف المعارضة تأكيد لهذا الموقف .والعكس صحيح اذا كان الموقف من الرئاسة والسلطة برفض اقامة امارة او دولة في غزة يتكرر المشهد بنفس عبارات التأكيد ، ما هو المطلوب من الشباب وطنيا في ظل حاله التربص وعدم قبول الأخر التي تعيشها الأحزاب الفلسطينية ،والتي اوصلتنا لحاله التيه الوطني ؛ هي ليست دعوة لتشكيل احزاب سياسية جديدة لتدخل سوق التنافس في الوصول للسلطة ، وان كان لا حرج في ذلك ان وجدت البيئة الحاضنة لذلك ،وكذلك هي ليست دعوة لإقصاء وإنكار الأخرين بإرثهم النضالي والكفاحي الثوري في مراحل الكفاح الوطني ، وإنما هي دعوة لتصحيح الفهم الخاطئ ولفهم الدور السليم للمعارضة الحقيقية في العملية السياسية ، وكذلك هي دعوة للاستفادة من تجارب الأخرين فيما بعد الربيع العربي وتجارب الدخول في مراحل التحول الديمقراطي ، وذلك بتشكيل الحركات الاجتماعية التي تمارس دور المعارضة في تبني القضايا الحياتية المنفصلة للمواطن الفلسطيني في ظل تخلي المعارضة عن هذا الدور الهام والبناء في تكوين اي عملية سياسية ذات بيئة صحية ،وتشكيل جماعات الضغط والتحشيد لمناصرة قضايا المواطن الفلسطيني، فإن هذه الحركات لا تكون في صلب العملية السياسية ولا ترغب في الوصول للسلطة ؟ بل لتلعب دور الموجه للرأي العام والضابط لسلوك اي نظام حكم من اجل تقديم خدمة افضل للمواطن ،فعلى سبيل المثال: حركة 6 ابريل في مصر وبعيداً عن الدخول في حيثياتها وتوجهاتها فلقد تبنت قضية سياسية في مصر الا وهي رفض مبدأ التوريث في النظام المصري السابق ، وكذلك حزب الشغل تشكل من رحم حركة اجتماعية تهتم في قضايا العمال وحقوقهم علي شاكلة الهستدروت في إسرائيل ، وكذلك حركة طلعت ريحتكم في لبنان تبنت القضايا الصحية والبيئية في رفضها تجميع القمامة والنفايات في مداخل المدن والتعبير عن مدي سوء الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين .