متأخرة كثيراً بدأت الإمارة المشاكسة حملة تطهير صغيرة في أراضيها، بعد أن سدت المجاري التي إستعملتها لتمريرسياساتها طوال سنوات قاربت العشرين تلت خلع أمير قطر الأسبق حمد لوالده خليفه، ونقلت الإمارة الهادئة لتكون في خضم كل الصراعات والأزمات والخلافات في الكثير من مناطق العالم.
دون مبرر تحولت قطر لقاعدة للتطرف الإسلامي ومنبراُ للإخوان المسلمين وساحة للتحضير للحروب والكوارث في الكثير من الدول العربية، لكن التوهم وإنعدام الخبرة والتجربة السياسية لدى قادتها وعدم فهم أن لكل فعل رد يتناسب وعنفه، دفع بها لركوب الموجة لما لا نهاية، محملة بمساندة ودعم أمريكي غربي في عملية إعادة تفتيت ما صنعه سايكس بيكو في المنطقة.
العقل المفكر للسياسة القطرية والمنبهر بإسرائيل وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم، إقتنع وأقنع أميره حمد بأن الدول لاتحتاج أن تكون كبيرة لتكون فاعلة ومؤثرة، ونظٌر لفكرة تأثير إسرائيل واليهود في العالم معتبرا المال والعلاقات مع صناع القرار والمشاركة بتنفيذ أفكارهم سيحول قطر لدولة صغيرة عظمى.
السياسات المغامرة أوصلت قطر لترحيل سبعة قيادات ودعاة كبار منالإخوان المصريين مرة واحدة خارجها، مما يعكس الإرتداد الذي بدأت تستشعر ثقله الدوحة، والعزلة السياسية والإنكفاء الذي ابتدأ مع إنهيار حكم الإخوان في مصر وفشل مشروع إسقاط النظام في سوريا وإرتباك حلفائهم في تونس واليمن، والغضب الخليجي الذي أصبح علنياُ وصريحاً ولم تعد الخلافات تحل بين الأشقاء بصمت بل تحولت لساحات صدام إقترب في بعض اللحظات للصدام الدموي .
الخطوة القطرية جاءت بعد أن سدت المجاري التي كان يرتع فيها قادة الإخوان وبدات الدوحة تختنق بروائحهم، وحصاد تراكم الفشل والعداوات مع الأشقاء قبل الأصدقاء جعل من مساحة التحرك السياسي والدبلوماسي تتقلص لدرجة أن الحدث الأهم كان إستقبالها لمساجين حركة طالبان في غوانتناموا الذين تمت مبادلتهم بالجندي الأمريكي المختطف في أفغانستان.
غرق الدوحة في دعم ومساندة الجماعات الإرهابية وإصرارها رغم كل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أطراف شقيقة وصديقة، إنقلب عليها وجعلها ترضح ولو بشكل محدود لبدء تقديم التنازلات للحد من الإنعكاسات السلبية التي نجمت عن مواقفها.
القرار القطري جاء تفاديا لتهديدات أشد عنفا ستنفذها دول مجلس التعاون الخليجي ولفقدان أمير قطر الجديد لكل مساحات الحركة السياسية وإنحصار محاوريه بين قيادات حركة الإخوان وبعض الدول المتماهية في ركاب المشروع وبعض الدول الغربية من اصحاب المصالح الإقتصادية في غاز ونفط الإمارة.
ترحيل مجموعة قيادات الإخوان من الدوحة لن يخفي أن قطر تعج بمئات المنبوذين من مختلف الجنسيات، وتراجع قطر عن السير في هذا الطريق يحتاج لجهود جدية لإن فقدان الثقة بصدقيتها السمة الأكبر لنظرة الكثير لسياساتها ومواقفها.
رحلة العودة القطرية ستكون صعبة وشاقة لإنها لم تحسب او تفكر للحظة بنتائج سياساتها وأين أوصلتها، ودماء عشرات الأف الأبرياء وتدمير دول وخلق الفتن لايمكن أن يطوى كل ذلك وكأن شيئاً لم يكن.
الإخوان سيجدون مراتع لهم في السودان واسطنبول وكثيرون سيعودون لحضن الأم الحنون لندن، والأهم في كل هذه التجربة المريرة أنهم سيواجهون حقيقة أن من باع وطنه وتأمر عليه ستضيق به الأرض يوماً، وعلى قطر أن تتوقع إنقلابهم عليها فمن تعودوا الغدر بمن أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف لن يصعب عليهم تكرار ما فعلوه مع دمشق في رد فعلهم على قطر.
بداية مرحلة جديدة ستطول وسيكون فيها لقطر تراجعات عن التفاهمات ومحاولات لإستعادة وهج مفقود، والمؤكد فقط أن صفحة بدأت تطوى بكل مأسيها وسلبياتها ومازال الكثير من القضايا تحتاج لحلول عاجلة وسريعة لوقف النزيف الذي تسببت فيه جراء السياسات المغامرة والموهومة.
وجدي غنيم بدأت الحلقة تضييق عليه، فهل سيدفع ثمن جرائمه وأفعاله يوما أمام القضاء.