من حقنا أن نكره انتصاراتنا العربية الواهمة على أعدائنا، وخاصة على الكيان الصهيوني، في مئة سنة خلت ؛ أي منذ الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٥م. والسبب أننا في كل معركة لا بدّ أن نهزم ، ثم نزعم أننا انتصرنا!
حتى في مباريات كرة القدم الدولية، دائمًا نهزم منذ الجولة الأولى ...ولكننا في المحصلة ننتصر؛ لأن الله سترها معنا، فكانت الهزيمة بثلاثة أهداف أو أربعة... ولم تكن عشرة مثلاً.ثم يكفي أننا شاركنا في المباريات الدولية حتى لو كانت هزيمتنا شر هزيمة...
كانت حرب تشرين التحريرية أو حرب أكتوبر أو العاشر من رمضان عام ١٩٧٣ بين العرب وإسرائيل هزيمة كبرى للعرب ، على الرغم مما فيها من مسرحة سياسية، فتحت الباب على مصراعية للهيمنة الصهيونية على الأمة العربية بالكامل ... ومع ذلك أكلت الاحتفالات بانتصارات هذه الهزيمة النكراء المليارات التي كانت تصرف عليها في كل عام، والتي كان بإمكانها أن تجتث الفقر من العالم العربي كله من جذوره!! وما زلنا منذ أربعين عامًا نرقص ابتهاجًا بهذا النصر العظيم، الذي أنسى الناس فتح مكة، ومن بعده فتح القسطنطينية ...
في كل هزيمة أشنع من أختها نخرج منتصرين على عدونا ...حتى هذا العدو المتوحش صار يمارس أبشع المجازر والإجرام، وينتهك كل الأعراف والقوانين الأخلاقية ...ثم يضع رجليه في ماء بارد، وهو يردد المقولات عن فشله في تحقيق أهدافه الإستراتيجية في أية حرب إجرامية يخوضها ضد العرب ، تاركا الحبل على غاربه للإعلام العربي والتصريحات العربية الموغلة في أغاني النصر وتصريحات الغطرسة والتبجح بالانتصار... فنحن انتصرنا رغم هزيمتنا الموغلة في الانكسار والغربة والاندحار...وقد صدق نزار قباني -رحمه الله -في التعبير عن هزيمتنا في حرب تشرين بهذه الأبيات، مخاطبًا فيروز :
غنت فيروز مغردة وجميع الناس لها تسمع..
الآن الآن وليس غدا أجراس العودة فلتقرع..
من أين العودة فيروز والعودة يلزمها مدفع..
خازوق دق ولن يقلع من شرم الشيخ إلى سعسع..
عفوا فيروز ومعذرة أجراس العودة لن تقرع!.
عفوا فيروز أقاطعك.. أجراس العودة لن تقرع
خازوق دق بأسفلنا..من شرم الشيخ إلى سعسع
لست متشائمًا لأن إسرائيل ستزول ... ولست جلادًا للعروبة ؛ لأن هذه الأمة فيها خير سيظهر في وقته ...
مئة عام من الاستعمار والتشرذم والفوضى والصراعات العبثية ، وفي كل حروبنا وهزائمنا ... نحن المنتصرون!! كأننا لم نهزم ، ولم تغتصب أراضينا، ولم يحدث لنا كل ما حدث من تواريخ دامية أكلت الأخضر واليابس .
من حقنا أن نكره انتصاراتنا الدونكوشوتية، لأنها مجرد أكاذيب تسجل في تاريخنا المزور ؛ لنخدع بها أجيالنا القادمة .. لقد آن الأوان أن نكره كل الذين يروجون لنصرنا على أعدائنا في تخيلاتنا الواهمة عن ماضينا في مئة عام خلت !!