تاريخ النشر: 2018-12-27 | 09:02
تاريخ النشر: 2018-12-27 | 09:02
قبل 35 عاماً وبعد إنهاء الثانوية العامة بما رافقها من تعقيدات الحياة تحت الإحتلال، انتقلت للعيش طالباً للعلم في جمهورية إيرلندا، كان الشعب الإيرلندي في ذاك الزمن شعب بسيط ولطيف ومضياف، هذا الشعب عانى من الاحتلال البريطاني لعقود، لكن احتلالهم لم ينتهي بفعل سيطرة بريطانيا على ايرلندا الشمالية آنذاك، لذلك كان يحب الفلسطينيين، وكثيراً ما سمعت من كبرائهم مقولة نحن وأنتم في قارب واحد،
الحياة في أكناف بلد تحرر من الاستعمار أجبرتني طوال الأربعة عشر عام على المقارنة بين طبيعة الحياة تحت الإحتلال والعيش بحرية وكرامة، كنت طالباً هناك وكان يأتينا رجل الشرطة للبيت لكي يجدد لنا الإقامات، وكانوا في الجامعة يولون لنا اهتماماً خاصاً ويتعاطفون مع قضيتنا، كنا نلقى كل الاحترام في كل المرافق،
عندما أنهيت الجامعة وحصلت على شهادة الهندسة الالكترونية، رغبت في الحصول على شهادة عليا من نفس الجامعة اسمها شهادة مهندس معتمد، وسجلت في مقاعد الدراسة والتزمت بها، ولكن بعد أسبوع اعتذرت الجامعة لي عن اضطرارها لاغلاق المساق لأن عدد المسجلين لم يتجاوز 8، ولكن المدهش كيف كان الاعتذار؟
كنوع من التعويض أرسلتني الجامعة لجامعة أخرى للحصول على دورة لستة أشهر في تصميم أجهزة الكمبيوتر مدفوعة الرسوم وأتقاضى مبلغ أسبوعي مقداره 62 جنيه ايرلندي، ولكن كان هناك شرط للجامعة بأن احصل على شهادة من وزارة العمل تفيد بأنني عاطل عن العمل.
توجهت لمكتب الوزارة في مقاطعة واترفورد وأفادني المدير بان هذه الشهادة لا تعطى الا للمسجلين في قيود مؤسسة الضمان الاجتماعي من الايرلنديين او اوروبيي الجنسية، وعندها سألني ما هي جنسيتك؟
فلما اخبرته انني فلسطيني، قام عن مقعده واحضر كتاب القانون الخاص بمستحقي الضمان وقرأ علي النص، وكان النص يقول " يحق للايرلنديين والأوروبيين واللاجئين وغير معرفي الجنسية التسجيل في مؤسسة الضمان"،
كنت يومها احمل معي وثيقة السفر الاسرائيلية التي كانت تمنح لكل سكان قطاع غزة، وكتب مكان الجنسية " غير معرف"، وكنت أحمل بطاقة تسجيل بلاستيكية تمنح من الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين،
أخذ المدير البطاقة واتصل بمكتب وزير العمل وتحدث اليه وانا أستمع وقال،
" لدي شخص اريد تسجيله في مؤسسة الضمان ويحمل بطاقة رسمية بأنه لاجيء مسجل في سجلات الأمم المتحدة "
الوزير طلب ارسال الاوراق للوزارة ويكون الرد بعد أسبوعين،
المدير قال له هذه حالة خاصة ويجب ان يتم تسجيله قبل يوم الاثنين " وكان يوم الخميس " وقص عليه القصة وانني يجب ان أحصل على الشهادة لألتحق بالجامعة الاخرى نتيجة عدم قدرة الجامعة الأولى بالايفاء باستكمال الدراسة،
اعتذر الوزير وقال يجب ان يتم إرسال الأوراق للعاصمة لدراستها وبعد أسبوعين يأتي الرد، وهنا كانت المفاجأة ،
رد المدير بكلمات لازلت احفظها ولن انساها مدى الحياة
regardless to you decision sir, I have to accept his application, I will not let him down .
بغض النظر عن قرارك سيدي أنا سأقبل طلبه ولن اخذله.
كلما أستحضر هذه القصة تسقط دموعي وأكرر الشكر للشعب الإيرلندي ألف ألف مرة وأتذكر آمالنا ونحن هناك كيف كنا نحلم بالعيش أحراراً وسادة في وطننا، نقيم العدل ونولي أهمية لمفهوم الحقوق والحريات، ولكن عندما تتقاطع أحلامي مع ما وصلنا إليه، يلعن لساني كل التفاصيل التي قادتنا لحياة الذل والعبودية التي نحياها الآن!!