ليس في تراجع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن تصريحاته بحتمية التفاوض مع بشار الأسد ما يدعو للدهشة . التردد ليس غريباً ولا جديداً بالنسبة إلى الموقف الأمريكي سواء من الأسد ونظامه، أو الأزمة السورية برمتها . لم يكذب كيري عندما قال إن بلاده ستضطر في النهاية للتفاوض مع الرئيس السوري، لأن واشنطن باتت بالفعل ومنذ وقت غير قصير تتقبل فكرة استمراره في الحكم ولو إلى حين . الوزير الأمريكي لم يكذب أيضاً عندما صدرت عن المتحدثة باسمه تأكيدات مناقضة تماماً لتصريحاته مفادها أن واشنطن لا تعترف بشرعية الأسد وأنه ليس جزءاً من مستقبل سوريا .
أمريكا في الحقيقة تتبنى الموقفين معاً، تريد بقاء الأسد وتريد رحيله . وهي بهذا لا تخالف الحقيقة عندما تعلن أحد الموقفين أو الموقف ونقيضه كما حدث الأسبوع الماضي . وتلك هي مشكلتها التي تدفع سوريا ثمناً فادحاً لها .
وبسبب رد الفعل الغاضب الذي عبرت عنه الدول الغربية الحليفة خاصة فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى رد فعل تركيا والمعارضة السورية، لم يكن أمام واشنطن سوى التراجع السريع عن تصريحات كيري عبر سلسلة من البيانات من الخارجية والبيت الأبيض حاولت خلالها بعث الطمأنينة في نفوس حلفائها، وإبلاغهم بأنه لم يطرأ بالفعل تغيير على موقفها . والتأكيد في نفس الوقت على أنها تعتبر أن الأسد فقد شرعيته، وأن المطروح هو التفاوض مع عناصر من نظامه وليس معه شخصياً .
بصرف النظر عما إذا كان ذلك يمثل أو لا يمثل تغييراً جوهرياً في التوجه الذي عبّر عنه كيري أولاً بشأن التفاوض مع الأسد، فإن فحوى التوضيحات الأمريكية الجديدة تقول بوضوح إن المطلوب هو رحيل الأسد، ولكن توقيت الانصراف لم يحن بعد، وهذا هو الموقف الأمريكي في النهاية، ولم يقل كيري غير ذلك في تصريحاته التي أثارت الضجة .
أما لماذا لا نعتبر التراجع الأمريكي جديداً فلأنه ببساطة كان هو السمة التي ميزت الموقف الأمريكي منذ بداية الأزمة حيث ظل دائماً متأرجحاً ومتذبذباً يكتنفه الغموض والتردد . عندما اندلعت الثورة السورية الشعبية ثم المقاومة المسلحة رفضت واشنطن تقديم الدعم للمعارضة . وعندما كانت إزاحة الأسد سهلة ترددت في التدخل . ثم اكتشفت أن حساباتها كانت خاطئة وبدأت على استحياء تقديم الدعم المادي للمعارضة .
بعد ذلك ترددت طويلاً في توفير العتاد العسكري الذي ظلت ترفض تزويد المعارضة به . وأخيراً عندما فعلت هذا كان موقف النظام قد تحسن من الناحية العسكرية، وكان وباء الإرهاب وتنظيماته السرطانية قد تفشى في أنحاء سوريا وامتد للعراق أيضاً . ولا ينسى أحد أن واشنطن هددت نظام الأسد بتوجيه ضربة عسكرية إن هو استخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه . ولكن عندما اقترف هذا الإثم تراجعت عن تنفيذ وعيدها .
ملأت الإدارة الأمريكية الدنيا ضجيجاً عن رفضها بقاء الأسد ودعوتها الى رحيله لأنه فاقد الشرعية، ثم قبلت مبادرتي موسكو والأمم المتحدة لحل الأزمة، وكلتاهما لا تشترط رحيل الأسد . كما أن اتفاق "جنيف 1" الذي رعته لا يتضمن نصاً كهذا . التراجع إذاً ليس أمراً استثنائنا بالنسبة إلى الموقف الأمريكي تجاه سوريا . أما لماذا لا يبدو غريباً، أو بالأحرى لماذا يبدو هذا التذبذب مفهوماً للمتابعين للموقف الأمريكي فذلك لأن لواشنطن مصالح متشابكة إقليمياً ودولياً . وهذه المصالح تتقاطع في بعض أجزائها مع الوضع في سوريا، وهذا ما يحدّ من قدرتها على تبني مواقف حادة أو واضحة أحياناً .
من ناحية، تقتضي مصالحها بعيدة المدى رحيل الأسد وكل نظامه وهو هدف تسعى إليه وتتمناه منذ سنوات طوال وليس منذ اندلاع الحرب فقط . ولكن من ناحية أخرى هناك عوامل موضوعية تجعلها تقبل بقاءه ولو مؤقتاً . في مقدمة هذه العوامل خوفها من وجود فراغ في السلطة قد تستغله التنظيمات المتطرفة لإحكام سيطرتها على الدولة خاصة مع ظهور تنظيم بحجم وقوة "داعش" .
لواشنطن أيضاً حسابات إقليمية تتعلق برغبتها في استرضاء إيران أو على الأقل عدم إغضابها في هذا التوقيت الحاسم من المباحثات الجارية معها حول ملفها النووي، بالإضافة إلى أن الغضب الإيراني سيكون له مردوده الفادح في العراق أيضاً حيث المصالح والقوات الأمريكية . يفسر هذا لماذا تتجنب واشنطن تماماً أي تهديد حقيقي للأسد، ولماذا لا تمتد غاراتها الجوية ضد "داعش" داخل سوريا إلى قواته أيضاً .
يضاف إلى هذا أن المعارضة السورية لم تستطع حتى الآن حسم الصراع، بينما تتزايد حدة المأساة الإنسانية في البلاد . لذلك كله لا تريد واشنطن الإطاحة بالأسد الآن (بفرض قدرتها على ذلك) . وكان من الطبيعي بناء على هذا أن يعترف كيري بأن بلاده ستكون مضطرة للتفاوض معه في النهاية . ثم كان طبيعياً ومفهوماً أيضاً أن ينفي أن بلاده تقبل بقاء الأسد أو تعترف بشرعيته . الموقفان المتناقضان كلاهما يعكس توجه واشنطن . وإلى أن تجد مخرجاً لسياستها الغارقة في كل تلك التناقضات فسوف يظل الحل السلمي أو العسكري معطلاً في سوريا .
عن الخليج الاماراتية