تاريخ النشر: 2025-04-18 | 11:30
تاريخ النشر: 2025-04-18 | 11:30
في حضرة الوجع الفلسطيني الممتد، تتبدّى صورة الأسير كأيقونة للكبرياء، ورمز للمقاومة المتجذّرة في الوعي الجمعي لشعبٍ لم يعرف في تاريخه سوى المعاناة والصمود. وفي السابع عشر من نيسان من كل عام، يتجدد العهد مع أولئك القابعين خلف القضبان؛ يوم الأسير الفلسطيني ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو استدعاء لذاكرة النضال، وإعادة اصطفاف مع من لم يبدّلوا تبديلا.
إنّ الحديث عن الأسرى الفلسطينيين لا يُقاس بعددهم، ولا تُختزل قيمتهم في سردٍ إحصائيّ جاف، بل يُقاس بمدى ما شكّلوه من حضورٍ طاغٍ في وجدان الشعب، وما زرعوه من قيم التضحية والإباء. هم ليسوا فقط أسرى الجدران، بل أسرى القضية والكرامة؛ أسرى الحرية التي تأبى أن تُنسى، مهما طال الزمان واشتد القيد.
فالأسير الفلسطيني ليس مجرّد فردٍ تجرّده آلة القمع من حريته، بل هو كينونة نضالية تتحدّى السجن والسجّان، وتحمل الوطن في نبضاتها، وتصوغ من العتمة بصيصًا لا يُطفأ. يقف أمام المحقق بلا ارتجاف، ويواجه العزل الانفرادي بعزيمة فولاذية، ويرسم الأمل فوق جدران الزنازين كأنّها لوحات لحلم قادم.
وإنّ في كلماتهم خلف القضبان ما يشفّ عن وعي متقدم، وفكر ثوريّ لم تلوّثه الحسابات، ولم تُرهقه التنازلات. منهم خرج القادة والمثقفون، منهم نُسجت رسائل الحبّ، وقصائد التمرّد، ومشاريع التغيير. فكم من أسير دوّن أطروحته، وكم من أمّ أسيرٍ ولدت أمةً من أوجاعها.
ومع ذلك، لا تكتمل ملامح الحكاية دون الإشارة إلى قسوة الواقع، حيث يعيش الأسرى في ظروفٍ اعتقالية تُشكّل انتهاكًا صارخًا لأبسط حقوق الإنسان. من الإهمال الطبي المتعمَّد، إلى منع الزيارات، إلى سياسة الاعتقال الإداريّ دون تهم أو محاكم، يتجلّى الوجه الحقيقي للاحتلال، ويتكشّف زيف كل شعارات "الديمقراطية" التي يتغنّى بها.
ولئن كان الاحتلال متوحشًا في أدواته، فإن الأشدّ إيلامًا هو حين يُقابل صمود الأسرى بصمتٍ محليّ أو دوليّ بارد، أو يُختصر نضالهم بكلماتٍ إنشائية موسمية. هنا، تصبح مسؤوليتنا مضاعفة: لا تكريمًا رمزيًا، بل فعلًا مستمرًا؛ لا تضامنًا عابرًا، بل حضورًا دائمًا في كل محفل، وفي كل قرار.
إنّ الحرية ليست وعدًا انتخابيًا ولا شعارًا تجميليًا، بل هي حقٌّ مقدّس، لا يُسقطه الاعتقال، ولا يُضعفه التجاهل. هي وعدٌ لا يُخلفه الصادقون، ولا يُفرّط فيه الأوفياء. وحين نقول "لا بدّ للقيد أن ينكسر"، فإننا لا نستعير العبارة من شاعر، بل نستمدّها من نبض الأمل الصاعد من كل زنزانة، ومن دمعة أمّ تلوّح بصورة ابنها ولا تنكسر.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لقضية الأسرى، ليس بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم طليعة النضال الوطني، ووقود الذاكرة الجمعية. وإنّ الوفاء لهم لا يكون بالمرثيات، بل بإعلاء صوتهم، وحماية حقوقهم، والتصدي لكل محاولات تغييبهم من المشهد.
ولأنّ الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، فإن صبر الأسرى ليس انتظارًا سلبيًا، بل فعل مقاومة يومي، يُمارسونه بالأمعاء الخاوية، وبالصرخة المتحدية، وبالكتابة المتمرّدة. وإنّنا نؤمن، كما هم يؤمنون، أن القيد مهما اشتدّ، لن يصمد أمام زحف الإرادة. وأن الليل مهما طال، فالصبح آتٍ لا محالة.. لأن كرامة الإنسان لا تُقيَّد، ولأن الحرية وعدٌ لا يُخلف، ولأن خلف كل قضبان روحًا لا تنطفئ، وصوتًا لا يُقمع، ووطنًا لا يُقهر.