في ظل الوضع المحلي والعربي والاقليمي والدولي المختل لصالح دولة التطهير العرقي الاسرائيلية رسميا. وبسبب تهالك وضعف الحالة العربية الرسمية، وإنغماس اهل النظام العربي بشؤونهم الداخلية، وارتباطا بتبعيتهم للولايات المتحدة، وبحكم تطبيع وشراكة العديد من الدول العربية والاقليمية مع إسرائيل، ولغياب اي دور للقوى الوطنية والقومية والديمقراطية، فإن اي قراءة قانونية وعقلانية للحرب الاسرائيلية المسعورة على محافظات فلسطين الجنوبية، تكون قراءة خاطئة او غير ناضجة. لماذا؟
لان وجود إسرائيل اساساً جاء على انقاض نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948؛ ولان القوى الدولية المختلفة تساوقت، وتبنت مشيئة الغرب في إنشاء وديمومة دولة الارهاب المنظم على حساب الشعب الفلسطيني؛ وكون موازين ومصالح القوى الدولية والاقليمية لم يتغير طيلة ال67 عاما الماضية، ولان العرب الرسميين لم يتمكنوا من إمتلاك ناصية قرارهم بايديهم، ومازالوا غارقين في مستنقع التبعية للغرب. وتم وأد كل حالات النهوض القومية لاسباب مختلفة. بالتالي اي محاكمة موضوعية للحرب الاسرائيلية المسعورة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الحالية والمتواصلة منذ الثامن من يوليو الماضي، او اي عدوان اسرائيلي إستنادا لقرارات ومواثيق واعراف الشرعية الدولية واحكامها، تكون محاكمة بعيدة عن الواقع واملاءآته السياسية.
إذاًحرب دولة التطهير العرقي الاسرائيلية على شعب واقع تحت إحتلالها؛ من وجهة نظر القانون الدولي وبكل المعايير، هي حرب مرفوضة، لانها تتناقض وتتنافى مع القانون الدولي. لكنها من وجهة نظر الغرب عموما واميركا خصوصا، هي حرب \"الدفاع\" عن النفس؟! وهي بالتالي حرب \"مقبولة\" و\"مبررة\"، ليس هذا فحسب، بل وتقوم الدول الغربية كلها وعلى رأسها الولايات المتحدة بتقديم كل اشكال الدعم والاسناد للدولة المارقة والخارجة على القانون لاستباحة الدم الفلسطيني، ولتسحق مصالحه العليا. لان الصوت العالمي الآخر، او اصوات الدول والرأي العام العالمي الداعم لخيار السلام، والرافض لمنطق الاستعمار الغربي والاسرائيلي، مازال خفيضا وخافتا، وغير مؤثر، رغم اهميته وثقله النسبي.
وارتباطا بما تقدم، فإن اي قراءة لعملية خطف الضابط غولدن او غيره من وجهة نظر المتحكمين بمركز القرار الدولي، ستكون قراءة غير منطقية، ولا علاقة لها بالقانون الدولي، لانها ستكون إمتدادا لمنطق اللامنطق الاستعماري، وكون إسرائيل، دولة الارهاب المنظم، ربيبة وحليفة وقاعدة الغرب في المنطقة العربية. وبالتالي ستعتبر اي عملية خطف لجندي او ضابط او مستوطن إسرائيلي، في زمن الحرب او اللاحرب (مع ان مجرد وجود الاحتلال الاسرائيلي جاثما على الارض الفلسطينية، هو بمثابة حرب معلنة على الشعب الفلسطيني، ومن حق الفلسطينيين إستخدام كل اشكال الكفاح لدحر الاحتلال وبلوغ الاستقلال والعودة) هي عملية \"غير مشروعة\" و\"تتناقض\" مع خيار السلام، وكأن اميركا وربيبتها اسرائيل تريد السلام؟ وتطالب، كما فعل ودعا الرئيس اوباما وادارته فصائل المقاومة تسليم الضابط المخطوف لاسرائيل.
ومن وجهة نظر المقاومة، ان العملية تمت في لحظة قتال وحرب همجية؛ والخطف لضابط في وحدات النخبة الاسرائيلية، وليس لمدني اسرائيلي. كما ان هذا الضابط يمارس عملية القتل لابناء الشعب الفلسطيني، ولم يأت لمد يد السلام، وبناء جسور الثقة والتعايش.أضف إلى ان إسرائيل في حربها الجارية قتلت وجرحت ما يزيد على عشرة الاف طفل وامرأة وشيخ فلسطيني، وإعتقلت من محافظات غزة (280) مواطنا اعزلا، فضلا عن الذين اعتقلتهم من محافظات الشمال منذ بدأت عملية اجتياحها للوطن الفلسطيني في ال12 من حزيران الماضي، وبلغ عددهم (56) من نواب ووزراء واسرى حرية سابقيين، غير اعداد اخرى من المواطنين الابرياء، ولم يسمع صوت اي رئيس دولة من الغرب، ينادي ويطالب إسرائيل بالافراج عنهم، بل كان موقفهم داعما لخيار الموت والاعتقال والتدمير الاسرائيلي لركائز حياة الفلسطينيين.
هذا هو اللامنطق، على رجال المقاومة والقيادات السياسية المختلفة، قراءة المشهد ووضع تقديراتهم وحساباتهم لاثمان عملياتهم إستنادا إليه. وهذا لا يعني \"حف القدم الفلسطينية\" على مقاس هذا المنطق المقلوب رأسا على عقب دائما، غير انه احيانا وفي لحظات سياسية معينة، مطالب الفلسطيني اي كان موقعه أخذ هذا اللامنطق بعين الاعتبار خدمة للمشروع السياسي الفلسطيني، وليس إرضاءا لاسرائيل او اميركا. وبعيدا عن الحسابات الصغيرة والشخصية او خدمة لاجندات خارجية، تمس بمكانة المشروع الوطني ومصالح الشعب العليا.