قالت لي جدتي ذات يوم أنه كان هنالك ثوراً أبيضاً يرقد في سهل أخضر ، يرقبه من قرب راع ذو حلة حمراء ، ويتربص لكليهما ذئبا أسوداّ ، لكل منهم هدفاً ومقصداً ، ماتت جدتي وحكايتها لم تنتهي ففي كل يوم أراها في تقاسيم عجوز تحكي نفس الحكاية في وطن مكلوم يتقاسمه ثلة من الغاصبين وقلة من المعدمين المحاربين من عدو اغتصب أرضهم وسمائهم وحاربهم في كل وقت وحين أما الشعب المكلوم باتت فوق جراحه الملح والهموم ، فلا وطن إسترد ولا حرية أوجد بل أضاع وحدته فصيلين كل منهم يجزم انه الشعب والشعب هم ، وكل له مبرراته ومسوقاته فلا هذا بسلميته عمر ولا ذاك بشعاراته حرر فإلى متى سيبقى هذا الحال كالوتين المقطوع الهادر لدم المجروح فإن ترك نازفا أهلكه ؟
إن أزمة الإنقسام لهو غصة ومرارة في قلب كل فلسطيني وطني وشريف فهو يوقن كل اليقين أن تفرقنا هو ضعفنا بل أيضاً يسلب منا ما تبقى من ارض ومقدسات ، فالقدس والقضايا المركزية والثوابت للشعب الفلسطيني يزداد الخطر عليها كلما بقينا متفرقين ، إن نواة هذا الشعب الثائر تكمن في قهره للمحتل الإسرائيلي في أصعب الظروف وإسقاطه كل المؤامرات وانهائه للمفرطين في قضيته ، بل أصبح قهرنا بأيدينا فرضاُ لا طواعية بالإنقسام طبعاً .
إن من يعتقد أن تنظيمه أو حزبه هو اكبر من فلسطين هو واهم بلا شك ففلسطين اكبر منا جميعاً فهي القضية المركزية العربية والإسلامية وبؤرة الصراع في كل العالم ، فلذلك يجب علينا كفلسطينيين العمل بشكل أكثر جدية وحزماً مع طرفي الإنقسام لإنهائه والعمل بشتى الطرق على إعادة اللحمة الوطنية بين شطري الوطن المنقسم أصلاً بواسطة الإحتلال ،فالوطن يئن تحت نير الإحتلال ويقاس كافة سياساته العنصرية والقمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة ناهيك عن الوضع العربي والاقليمي المترهل الذي ينعكس سلباً على القضية الفلسطينية ، فنحن اليوم في أمس الحاجة إلى وحدة وطنية تحت علم واحد وحكومة واحدة تجمع كل الفصائل لتعبر عن كافة رغبات وتوجهات شعبنا الفلسطيني لتحقيق حلمه وأمله في تحرير فلسطين وعاصمتها القدس الشريف مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وإطلاق سراح الأسرى وعودة اللاجئين ، فالشعب الفلسطيني شعب معطاء وولود للثوار ومدرسة للأحرار .
لقد بلغ السيل الزبى مع هذا الشعب الذي يعاني كل يوم من ويلات الإنقسام الذي أضر بمستقبل أطفالنا وحطم آمال شبابنا لأن الإنقسام يساهم في إستفراد العدو الإسرائيلي تارة على أبناء شعبنا في الضفة الغربية وتارة أخرى على القطاع .
لذلك يجب على الفصائل مجتمعة أن تبدأ العد العكسي لإنهاء الإنقسام برضى الطرفين أم عدمه ولو أدى إلى مقاطعة طرفي الإنقسام سياسياً لأنهم إن لم ينهوا إنقسامهم بكل تأكيد سينتهون وإن طال الزمن ام قصر ، وأن تعمل الفصائل على تشكيل حكومة وحدة وطنية خالية من طرفي الإنقسام لإجبار الطرفين على الموافقة بدون أي شروط لكليهما ، كما يجب أن تشكل الأحزاب والمؤسسات الفلسطينية هيئة رقابية سياسية ومالية وأمنية في حال إتفاق الطرفين على هذه الأطروحة وتفعيلها مستقبلاً قانونياً وتشريعياً إن امكن ذلك ، او العودة إلى القانون الفلسطيني أو الإبقاء عليها كحالة طارئة حتى زوال الإنقسام وعودة اللحمة لشطري الوطن .
وكما قال أحد الأسرى الفلسطينين كلمة خلدت وجست الوطنية والوحدة "إن بنادقنا مهما كثرت وتعال صوتها لا نوجهها نحو صدور أبناء شعبنا وإنما نحو صدور الأعداء" ، فالحل يكمن في إحتواء كل طرف للآخر وغض النظر عن كل ما أساء وكل ما أضر بقضيتنا وشعبنا وتجاوز هذه الأزمة شريطة تقديم طرفي الإنقسام الإعتذار لشعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج ، على أي حال قد تبدو هذه المقالة كخاطرة سياسية لكنها في الواقع ترجمة حقيقية تترجم بصدق ما يشعر به كل فلسطيني في الداخل والشتات فالقلب والوجدان ينزف حبراً ليحيك أملاً جديدا أو يدق ناقوساً يصدح لمن يهمه الامر قبل فوات الاوان .