أحياناً يكون توقيت الحدث أهم كثيراً من طبيعة الحدث نفسه . والوثائق السرية التي تسربت إلى وسائل الإعلام الأسبوع الماضي حول تقديرات المخابرات "الإسرائيلية" "الموساد" لقدرات إيران النووية تمثل حدثاً من هذا النوع لأن توقيت كشف الوثيقة ودلالاتها ذلك يتجاوز في الأهمية مضمونها .
الوثيقة تتحدث عن التقديرات التي توصل إليها الموساد في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 وتفيد أن إيران لا تمتلك القدرات اللازمة لصنع قنبلة نووية وليس لديها الجاهزية لتخصيب اليورانيوم بالنسبة العالية اللازمة لصنع الأسلحة النووية .
الوثيقة بذلك تخالف تحذيرات وادعاءات رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو في هذا الصدد . كما أن تاريخ إعداد الوثيقة يشير إلى أن تلك المعلومات كانت متاحة للموساد وبالتالي الحكومة قبل أسابيع قليلة من الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأعلن فيها أن إيران لا يفصلها سوى أشهر قليلة عن إنتاج سلاح نووي .
ما تضمنته الوثيقة من معلومات لا يمثل صدمة ولا مفاجأة، وسبقتها وثائق وتسريبات مماثلة . منها على سبيل المثال ما نشر أوائل 2007 منسوباً للمخابرات الأمريكية عن أن طهران تخلت عن تطوير برنامجها النووي منذ سنوات، وأنها لا تحاول إحياء البرنامج . وفي 2012 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" معلومات مماثلة قالت فيها إن الولايات المتحدة و"الموساد" تبادلتا تقديرات متشابهة حول البرنامج النووي الإيراني .
هذا يظهر بوضح أن توقيت الوثيقة هو الأهم وليس مضمونها . ذلك أن تلك المعلومات التي تتناقض مع ما يعلنه نتنياهو على الدوام، جاءت قبل أيام من كلمته أمام الكونغرس الأمريكي حول إيران وهو ما يضعف من مصداقيته . كما تظهر تلك المعلومات أنه يلقى اتهامات مرسلة بلا سند ولا دليل .
هذه الصورة السلبية لنتنياهو يصنعها له بمهارة جهازه الاستخباري الأول . وسواء تعمد الجهاز ذلك أم لا فإنها تبقى صورة مدمرة له سياسياً قبل أسبوعين تقريباً من الانتخابات، وهو توقيت قاتل .
جانب آخر يضفي على توقيت كشف الوثيقة أهمية إضافية وهو أنها تعلن قبل انطلاق المرحلة الأخيرة من المفاوضات الحاسمة بين إيران والقوى الكبرى . والمعلومات المسربة لا شك أنها تدعم الموقف الإيراني وتقوض مبررات الدعوة "الإسرائيلية" لتوجيه ضربة عسكرية لإيران . بالطبع لا يمكن أن يكون هذا هو هدف المخابرات "الإسرائيلية"، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دور محتمل للإدارة الأمريكية في تسريب الوثيقة . ليس هناك ما يؤكد ذلك ولكن هذا لا ينفي أن إدارة أوباما أحد المستفيدين من التسريب الذي يخفف الضغوط عليها في مواجهة المطالبين بموقف أكثر تشدداً إزاء التهديد الإيراني . فضلاً عما هو معروف عن علاقته السيئة مع نتنياهو .
ولكن لماذا يريد قادة المخابرات "الإسرائيلية" إحراج أو إحراق نتنياهو سياسياً إذا كانوا هم من يقف وراء التسريبات؟ التفسير الشائع هو أن هؤلاء القادة على خلاف مع رئيس الوزراء، وأنهم لا يشاركونه الكثير من مواقفه وتوجهاته حول إيران وغيرها . يدلل أصحاب هذا الرأي على صحته بالإشارة إلى تصريحات لقادة سابقين في المخابرات اعتبرت معبرة عن توجه زملائهم ممن مازالوا في الخدمة .
من تلك التصريحات ما قاله مائير داجان الرئيس السابق للموساد والذي وصف تهديد نتنياهو بتوجيه ضربة منفردة لإيران بأنه أغبى ما سمعه في حياته . الموقف نفسه عبر عنه أفراهام هالفي الذي سبق داجان في قيادة الجهاز الذي رفض ما يعتبره نتنياهو خطراً إيرانياً وجودياً، واعتبر أن الهجوم من جانب "إسرائيل" وحدها سيدمر المنطقة لمدة مئة عام .
أما يوفال ديسكين الرئيس السابق لجهاز شين بيت "المخابرات الداخلية" فقد اعتبر أن نتنياهو لا يصلح للقيادة وأنه يضلل الرأي العام .
غير أن هناك تفسيراً آخر لتلك المناوشات يرفض الرأي القائل إن هؤلاء القادة السابقين يحاولون إحراج نتنياهو أو إضعافه شعبياً، بل على العكس يحاولون مساعدته على تحقيق الأهداف "الإسرائيلية" العليا .
أما كيف؟ فيشرح هؤلاء الموقف كالتالي: يتعمد هؤلاء انتقاد نتنياهو علناً بسبب عناده وإصراره على التهديد بتوجيه ضربة "إسرائيلية" إلى إيران . والهدف التكتيكي المبدئي هو إظهاره في صورة المندفع أو حتى المتهور الذي يمكن أن يجر "إسرائيل" والمنطقة ومعهما بالطبع الولايات المتحدة إلى حرب غير محسوبة إن هو أقدم على تنفيذ تهديداته .
بناء على هذا لا يمكن للولايات المتحدة أن تقف ساكنة بعد أن حركت تلك المجادلات كل كوامن القلق لديها . وبعد أن استشعرت الخوف من إقدام هذا المتهور على عمل طائش . وتجنباً لحدوث ذلك لن تجد أمامها سوى بديلين، الأول أن تقوم هي بالمهمة بنفسها ولكن بعد إعداد المسرح الدولي والإقليمي للحرب على نحو ملائم . وهذا البديل مناسب جداً ل"إسرائيل" حيث يوفر عليه مخاطر توجيه ضربة منفردة قد لا تنجح . البديل الآخر هو أن تفرض عقوبات أكثر صرامة على إيران لاسترضاء نتنياهو وتهدئته ولو إلى حين وهو مكسب "إسرائيلي" آخر لا بأس به . وفي الحالتين، الحرب أو العقوبات، تكون فرص التوصل لاتفاق مع طهران قد تبددت وهو الهدف "الإسرائيلي" المهم .
المسألة إذاً مجرد توزيع أدوار على الساحة "الإسرائيلية" . والهدف يبقى المصلحة العليا لهم حتى لو كان الثمن هو التضحية بنتنياهو أو إظهاره في صورة المتهور أو حتى الأحمق .
عن الخليج الاماراتية