عندما نكون أمام كل هذه الحقائق التي تتسارع بعد نزيف الدماء التي سالت من الأبرياء الذين يتطلعون لحياة كريمة وأمنة في فلسطين المحتلة ، حيث أن الضمائر الحية بدأت تصرخ ، فهاهي مملكة السويد تعترف بالدولة الفلسطينة، وهاهو مجلس العموم البريطاني يصوت لصالح نفس الإعتراف ، وهناك الكثير من الدول الأوربية بدأت تعد العدة لتسيرعلى نفس النهج لتنضم جميعها للمائة وثماني وثلاثين دولة كانت قد إعترفت بالعام الماضي بالدولة الفلسطينية، والبعض المتبقي أصبح في وضع مخجل أمام شعارات العدالة وإحترام حقوق الإنسان التي يتبناها وبالتأكيد في النهاية سيكون هناك موقف مغاير عما هم فيه الأن.
الأمور لم تتوقف عند هذا الحد بل تجاوزت ذلك داخل الدولة العبرية ايضاً وذلك بإنضمام مائة وستة شخصيات إسرائيلية ممن عملوا في أجهزة الأمن الإسرائيلية من المتقاعدين للسير في نفس الطريق وذلك من خلال توجيه رسالة واضحة إلى رئيس حكومة إسرائيل تطالبه بضرورة صناعة السلام مع الفلسطينين أصحاب الأولية في العلاقة على أساس حل الدولتين بدلاً من بناء تحالفات مع دول عربية تعتبر في المرحلة الثانية من الأولوية في حسم الصراع العربي الإسرائيلي حسب ما تطرقت إليه وسائل الإعلام الإسرائيلية المقروءة خلال الأيام الماضية ، مما يضيف ضغطاً أخر لصالح الفريق الذي يطالب بضرورة دعم الحل السياسي الذي يفضي إلى حل سلمي بين دولتين متجاورتين لشعبين يعيشان بأمن وسلام والذي يتمنى الجميع من الأحرار والشعوب المحبة للسلام في العالم بأن يرى النور ويصل إلى بر الأمان ويسحب البساط من تحت أرجل المتطرفين من عشاق الدم والحروب ، لا بل للوقوف أمام هذا التغول الإرهابي في المنطقة والذي بدأ يستبيح كل القيم الإنسانية بدون التمييز بين أي ديانة أو حتى جنسية.
وبالعودة إلى قراءة ما حصل في اليومين الماضيين من خلال قرار إغلاق المسجد الأقصى في سابقة أولى من نوعها ولم نسمع من قبل أنها قد حصلت من قبل في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومسارعة رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو بالتراجع عن هذا القرار من خلال إلغاء القرار ودعوته لوزرائه بضرورة الهدوء، نجد في ذلك مؤشر على أن هناك بداية إدراك حقيقية لخطورة المرحلة ومتطلباتها ومدى حساسية أي قرار متهور أو عنصري لربما يؤدي إلى إنفجار شامل في المنطقة لن ينجو منه أي طرف ولا يعلم مداه أحد ، لذلك تم التراجع فوراً عن هذا القرار الغير منطقي فور تدخل العقلاء من حلفائهم، و بسبب تدخل عربي قوي وغير مسبوق أيضاً ليثنوا رئيس الحكومة الإسرائيلية المتهور في قراراته بغض النظر عن إصداره قراراً لاحقاً لهذه الدعوة بفتح المجال أمام التوسع الإستيطاني وذلك لصالح إمتصاص نقمة المتحالفين معه في الحكومة من المتطرفين وأعداء السلام على خطوته تلك والتي لم تنال إستحسان وموافقة هذه الأحزاب اليمينية المتشددة التي لم يرق لها الأمر ، وهنا ينطبق عليه المثل الشائع "جاء يكحلها عمى عينها".
وبالتأمل فيما يدور في المنطقة حالياً وخاصةً بعد حرب غزة الأخيرة وما ترتب عليها من مأسي ضخمة للسكان المدنيين الأبرياء هناك، وما تلى ذلك مما حصل في الأيام الماضية على الجانب المصري من عمليات إرهابية استهدفت الجنود المصريين وقتلت عدد كبير منهم بهدف إشعال المنطقة وإدخال الشقيقة مصر في فوضى عارمة ودوامة الإنشغال الداخلي في محاربة الإرهاب الذي يستهدف إستقرار الدولة المصرية بكل مقوماتها ، وما تلى ذلك من سرعة في ردة الفعل شديدة القسوة من الحكومة المصرية والتي كانت نتيجتها البدء فوراً في إنشاء منطقة عازلة على جانبي الحدود المصرية الفلسطينية وما صاحبها من إغلاق لمعبر رفح البري وهو المنفذ الوحيد لقطاع غزة وما صاحبها من إغلاق باقي المعابر مع هذا القطاع المحاصر، وتزامناً مع تصريحات إعلامية متلاحقة ومتضاربة بين حركتي فتح وحماس في ظل صراع القوى للظهور على المسرح في تمثيل الفلسطينين في المرحلة القادمة، وفي نفس الوقت ما يقابل ذلك بشكل صارخ من تناقض متسارع في وتيرة تنفيذ متطلبات المصالحة الفلسطينية وكأنها تحكي رواية شد الحبال بين الحين والحين في إطار سيناريو متفق عليه مسبقاً لكي يكون هناك تحليل لنتائج ردود الفعل االشعبية التي لا زالت صامتة وغارقة في همومها، ولا أغفل هنا أن كل ذلك يتزامن مع لقاءات أمريكية - فلسطينية لبحث الرغبة الفلسطينية بالتوجه إلى مجلس الأمن للطلب لتحديد موعد وجدول زمني لإنهاء الإحتلال في ظل تأييد دولي لم يسبق له مثيل بضرورة إعطاء الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، ومع الأخذ بعين الإعتبار تطلعات العالم إلى الإستقرار السياسي في ظل عدم الإستقرار الإقتصادي ، أرى أن كل ذلك يشير بأن الأمور لا تسير بشكل عبثي بل هي خطة مدروسة ومترابطة وقد حان وقت فك القيود عنها لتدق ساعة السلام وتبدأ مرحلة البناء المنشودة في المنطقة لتحاكي الحد الأدنى مما يتطلع إليه صناع القرار وطموحاتهم في هذه المنطقة وهو البدء بإرساء السلام حتى لو بدأ إقتصادياً لتنتعش المنطقة وينتعش الأخرون ، فهل ستفضي الحكاية في النهاية إلى تحقيق ذلك؟ ، هذا ما ستجيب عليه الأشهر القليلة القادمة !!!!.