ليس بالصدفة أن تتوالى تعليقات السخرية والنكات التي تحاكى أهل غزة وملامسة معاناتهم من الظلم والاضطهاد والمصائب، فالواقع المرير يفرض نفسه بقوة شيطانية تخنق وتحاصر الجميع بدون استثناء، ويبقى كلام الناس وأحاديثهم أكبر الملامح التعبيرية على سرعة قراءة الواقع بحقيقته دون الحاجة للشهود والتقارير، ثمانية سنوات عاشها أهل غزة بين حانا ومانا لتضيع أحلامهم ولا أحد يتحرك ساكنا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وغابت المشاعر الصادقة عن المسئولين والقادة ذوي النظرة الضيقة ليضغن في قلوبهم الكراهية والاحقاد، وفي النهاية الشعب هو الضحية ويدفع الثمن بلا هوادة، فالشعب تحمل ما لم تتحمله الجبال، الشعب استوى من طول الانتظار على أمل ولكن الواقع لا يتزحزح قيد انملة.
انظروا معي لهذا الواقع وحال الناس في غزة في ظل انعدام الافق السياسي والاقتصادي والاجتماعي واستمرار الحصار والاغلاق، فالغالبية العظمى من الناس تقضى أوقاتها في لعب الشدة والنت ومشاهدة المباريات، والجزء الآخر على الفيس البوك والتعليقات الساخرة والنكت والكاريكاتير لوصف حالهم بطريقتهم الخاصة لعل هناك من يشعر بهم، وهناك مواطنين لا يعرفون أنفسهم أنهم في البر او في البحر, وهناك أناس مدمره ولا احد يمسح دمعتهم ولا حتى يبادلهم اي نوع من المشاعر والوقوف بجانبهم ولو بالكلام لرفع معنوياتهم، بينما المسئولين والقادة يبحثون عن مواقع لأنفسهم ويزاحمون ويستعرضون امام الناس لتسجيل انجازات، ولم استغرب من رجل عجوز كان راكبا معي في سيارة أجرة وبرفقة امرأتين تقلنا من خانيونس الى بلدتي في الشرق عندما يقول لقد هرمنا واستوينا في مجمل ردة على الظروف الصعبة التي كان يتحدث بها ركاب السيارة، حينها تدخلت وقلت للعجوز ماذا تقصد بأننا هرمنا واستوينا، فرد علىُ بثمانية أبيات شعر تتحدث عن حال الناس وفاتورة التحديات والصبر والصمود والإرادة والدعاء بالفرج، حينها أدركت فعلا بأنني هرمت مبكراً، وما أن حلت السيارة على رأس الشارع الذي أسكن فيه شاهدت مجموعة شباب خريجين مكتملون بشبابهم المفترض أن يكون لهم دور الريادة في البلد يقفون كالعادة يوميا وفي نفس التوقيت بلباسهم الرياضي بانتظار سيارة تقلهم الى مكان قضاء أوقات فراغهم باللعب، وعلى الرغم من الهرم الذي تولى امري فإن النشوة لعبت في رأسي وتخيلت نفسي من سنهم لمشاركتهم اللعب في ظل أوقات الفراغ القاتلة وتحسرت كثيرا على عدم مرافقتهم في مسيرتهم الكروية بدلا من قعدة البيت والخمول الذي ترسخ في أذهان العديد من الناس.
لقد بات واضحا لأهل غزة خاصة ان الشيء الوحيد الذي يعيشون عليه هو الأمل والأمل بوجه الله، فالسنوات تجرى وتحتسب من عمر الإنسان وأصبحت الناس لا تعرف أيام الأسبوع من سرعة انقضائها بغمضة عين، والأولاد كبروا وأصبحوا هم الجيل القادم الذي لن يرحم أمناء هذا الشعب، فالجيل الذي ذاق مرارة المعاناة واكتوى بنارها قادرا على محاسبة جميع المقصرين في حق الشعب والوطن، لقد هرمنا منكم أيها القادة بسرعة مع مرور سنوات انتظار المصالحة والوحدة، والشعب مل واستوى الموت عنده مع الحياة، فماذا تنتظرون أكثر من ذلك وماذا تتوقعون ؟!