المفاوضات تفرضها معطيات مختلفة ، يُدفع اليها المرء ليس بالضرورة ليوافق على ما يُعرض فيها ؛ بل وربما لانه لا يمكن ان يقول لا للمفاوضات ، خصوصا في ظل الضغوطات التي تُمارس على كل المستويات ؛ فيلجأ للمراوغة تحسبا من وضع بلده او مؤسساتها في مرمى الفناء ، او ترقبا لتغيير اقليمي يسمح له بان يُراوغ ويُفاوض بأوراق جديدة .
هكذا كان المفاوض الفلسطيني وهكذا عمل وصار عبر العقدين الماضيين ، ولا يهمنا ما حاول البعض من خلاله تشويه كينونته ، اذ انه لم ولن يتنازل عن ثوابت الوطن ، فقد حققت المفاوضات مكاسب لم نحلم بها يوما ، فاستبدلنا الحجر الذي كنا نقذفه علي وجل ويأس بالمقذوفات بلا خوف ، كل ذلك من خلال المفاوض الفلسطيني الذي اخذ عبر المفاوضات وما اعطى الاحتلال شيئا اذا نظرنا الى الامر بشكله الموضوعي ، اما اذا نظرنا اليه باسلوب الرجم والقذف فسنقول ونُزايد ونُناكف كما شئنا .
واليوم والمفاوضات تقترب من مرحلة حاسمة يوشك الامريكان في ظل التشرذم العربي الواضح بعد الربيع الدامي من دفع الجانب الفلسطيني نحو الزاوية من خلال معطيات رسمها واوضحها وتم تحديد موعد مع الرئيس في الرحلة الاخيرة ، هكذا هى ، وهكذا يُدرك كل من يعي السياسة الامريكية ، وهكذا ادرك الرئيس ، لذا سارع الى الغير متوقع ، بل الى الغير ممكن ، بحيث خلط الاوراق الداخلية التي كانت يُمكن ان تسير وفق اهواء الامريكان من حيث ايجاد بديل للرئيس ، وفي نفس الوقت اعطى اشارات واضحة لهم بانه جاهز للذهاب الى ما هو ابعد من ذلك ، فمن يقول ان عمره ، تسعة وسبعون عاما ، ومرحبا بالشهادة ان كُتبت ، يُدرك تماما ان رحلته هى الى المقصلة ، لانه يُدرك تماما انهم سيطلبون منه ما طلبوه من الشهيد ابي عمار فرفضه فكانت نهايته ، وكذلك هو لن يسمح بتمرير ذلك المخطط حتى لو دفع حياته ثمنا لذلك .
وعليه ، فالرئيس يقول بوضوح انه جاهز ان يقوم بحل السلطة وربما من واشنطن ، كما انه جاهز لغلق كل الابواب التي يحلم بها الامريكان والصهاينة بمعنى ان ابا مازن هو الاكثر مرونة ، والذي كان دوما يُنادي بالمقاومة الشعبية ، فلكم الخيار بعد ذلك لانكم مهما حاولتم لن تجدوا شخصا يعطيكم اكثر من ذلك – علما بانه لم يُعطيهم شيئا – وبالتالي فهو يُعلن ان كل الخيارات مفتوحة ، ولكن بعيدا عن ايجاد ادوات تُعطيكم ما تتمنون لانني – الرئيس – قمت بإغراقهم جميعا ،
لقد قدّم الرئيس دروسا مستفادة في علم السياسة ، وقد آلمتنا في صراحتها ، وربما في تجاوزها في بعض الامور ، لكن في الحقيقة هى قوية لمفاوض يُقدم على مرحلة صعبة لا يملك مطلقا اوراقا اقليمية وداخلية تساعده ، وليس عليه الا ان يحرق كل السفن ليُعلن لهم بصراحة انه جاهز للذهاب ابعد من ذلك .
قد لا نفهم المراد الحقيقي في المنظور القريب لكن الايام القادمة ستفصح لنا ما هو مخبئ وليس علينا سوى الانتظار .